(16/05/2011) أجوبة أسئلة طباعة أرسل إلى صديق
الشرق الأوسط

 

بسم الله الرحمن الرحيم
أجوبة أسئلة
 
 أولاً: الظاهر أن بشار الأسد سيبقى في السلطة للفترة القادمة، ولكن بعد التخلص من رموز الحرس القديم الذين يحولون دون تنفيذ الإصلاحات الأميركية إضافة إلى الطواقم الأمنية التي تلطخت أيديها بدماء المتظاهرين، وإنهاء تفرد حزب البعث الحاكم وإن لزم حله، فتصريحات المسؤولين الأميركان والغربيين والأتراك وغيرهم من المسؤولين العرب تشير إلى تأييدهم حلاً داخلياً، ولا يكاد يلحظ تطرقهم لتنحي بشار عن السلطة. فعلاوة على عدم تطرق الرئيس الأميركي أوباما إلى تنحي بشار الأسد، فإن المتحدث باسم الخارجية الأميركية مارك تونر سبق أن صرَّح  بعد الخطاب الثاني لبشار الأسد أن خطابه "لم يكن على مستوى الإصلاحات". كما صرَّح وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو حسبما نقلت عنه وكالة أنباء الأناضول "أن بلاده ترفض تدخلاً أجنبياَ في سورية وتعتقد أن الإنتفاضة الشعبية المستمرة في هذا البلد ينبغي أن تحل بشكل داخلي". إضافة  إلى تصريحات أمير قطر حمد بن جاسم آل ثاني في باريس والذي نشرته صحيفة السفير اللبنانية "هناك حديث يجري عن العقوبات لكننا نحن نؤيد حلاً من داخل البيت السوري ويلبي رغبات الشعب السوري"، كما جرى استثناء بشار الأسد من العقوبات الأوروبية الأخيرة التي شملت ثلاث عشرة شخصية سورية تمسك بزمام الأمور في دمشق.

 ومما يلفت الأنظار صدور بيان الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين برئاسة يوسف القرضاوي في 18 نيسان/أبريل يدعو فيه بشار الأسد إلى "الإسراع بالبدء فوراً بتغيير الدستور، وإطلاق الحريات، وتحقيق مطالب الشعب كاملة"، كما أدان الإتحاد العالمي بشدة "أساليب التعذيب والإهانة والقتل للمتظاهرين المسالمين"، بل وناشد "الجيش السوري البطل أن يحمي هؤلاء المسالمين عن بطش أدوات القمع الظالمة التي تفتك بالشعب السوري"، كما أكد الإتحاد على أن "اتهام المظاهرات بالعمالة، والارتباط بالخارج، ومحاولة قمعها من خلال وصفها بالمؤامرة الخارجية لن ينطلي على أحد في عالمنا اليوم، فالمظاهرات اليوم تعبر عن ضمير الشعب"، وختم بيانه بالقول "إن وجود سورية، في مواجهة العدو الصهيوني لن يعفيَ حكامه عن تحقيق تطلعات الشعب وحرياته، وإزالة الظلم والاستبداد، بل إن معظم الأراضي العربية الإسلامية قد احتلت في ظل الاستبداد والدكتاتورية والحزب الواحد، أو الزعيم الأوحد". والمدقق يرى خلو البيان من طلب التنحي من الرئيس بشار الأسد، علاوة على أن القرضاوي الذي طلب التنحي من زين العابدين ومن حسني مبارك، وأفتى بقتل القذافي لم يطلب من الأسد التنحي عن السلطة ولم يفت بقتله.

 على أن تصريحات كثير من قادة المعارضة السورية في الداخل والخارج  تطالب بالإصلاحات حتى لو بقي بشار الأسد على رأس السلطة، وقد أصبح من المعروف أن قيادات المعارضة السورية في الخارج والتي حضرت مؤتمر استنبول سبق أن أدين أبرز رموزها (أنس العبدة) بالتواصل مع الأميركان، وأن أميركا هي التي دعمت قناتهم الفضائية (بردى) ونشاطاتهم الأخرى بستة ملايين دولار.

وبشار الأسد الذي يستشعر أن أميركا لم تتخل عنه يدرك حجم قوى المعارضة  في سورية، ويراهن حالياً على البطش، وعلى إخافة  الناس من الإحتراب الداخلي ومن التقسيم، في الوقت الذي يبدي فيه ترحيبه بإحداث الإصلاحات المطلوبة. وقد قام النظام السوري في الأيام الأخيرة بتوجيه دعوة للحوار الوطني من المحتمل أن يجري من خلاله  تبني النظام السوري  لمعظم مطالب المعارضة وإظهار الجدية بتنفيذها فعلاً.
  
إن الناس في سورية الذين يتوقون إلى التخلص من حكم الأسد وطائفته ولم يندفع معظمهم للمشاركة بالاحتجاجات، يُدركون أن القوى الفاعلة في الجيش هي بيد بشار الأسد وطائفته العلوية، ويتخوفون من إمكانية حصول الاحتراب الداخلي على النمط الليبي، بل وإمكانية استحداث النظام لمجازر لوجود سابقة لم تمسح من ذاكرتهم  بعد؛ لذلك فإنه ليس من المستغرب التماسهم العذر لقوى المعارضة على عدم قدرتها على حسم أمر النظام كما حصل في مصر وتونس وسيتفهمون  تقبلها لوجبة دسمة مما يسمى بالإصلاحات نظير بقاء بشار الأسد.

  ويبدو أن الحسابات الأميركية للتغيير في سورية ستقتصر على إدخال ما تسميه بالإصلاحات التي ستؤدي لو تحققت إلى تغيير صورة النظام والتهيئة لطرد بشار من الحكم لاحقاً، وذلك أن حصول الإنهيار للنظام السوري الحالي سيكون مدوياً ومن المتوقع أن يخلف آثاراً داخلية يصعب احتواؤها في فترة وجيزة، مما سيؤثر على ورقة الضغط التي يتخوف منها قطاع كبير من الشارع "الإسرائيلي"  والتي تتمثل بتحالف حزب الله وسورية المدعومتين من إيران. فضلاً عن تأثير انهيار النظام في سورية على تركيا التي يستخدمها الأميركان ورقة ضغط أخرى على "إسرائيل"، وقد سبق لرئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان أن أعرب عن "عدم رغبته برؤية سورية مقسمة" موضحاً أن هذا يمكن أن يلحق الضرر بتركيا.
ومما يعزز التوجه نحو المصالحة الداخلية في سورية ما تناقلته وسائل الإعلام، من أن هناك حديث عن تشكيل وفد شعبي يمثل مختلف مناطق سورية لزيارة محافظة درعا، والتعزية بمن قتلوا من أبنائها وإجراء مصالحة.

ثانياً: التغيير في ليبيا كان واضحاً فيه اشتغال أميركا بجر دول أوروبا باسم النيتو لتسخيرها لخدمة مشروع الشرق الأوسط الكبير حيث أن مهمة النيتو تتلخص بحماية الأمن الخارجي للمشروع، ويلاحظ أن أميركا بانسحابها من الضربات الجوية تكون قد تركت المهمة لدول أوروبا، رغم أنها ما تزال تشارك بالمهمات الأخرى للحلف. وهذا نجاح واضح للأميركان تدركه دول أوروبا التي ستتحمل إضافة إلى  كلفة الضربات الجوية، عدم الاستقرار في حوض المتوسط  وما ينتج عنه من ازدياد الهجرة من إفريقيا نحو دول أوروبا، فضلاً عن أن إطالة أمد الأزمة الليبية يؤثر على استنزاف اقتصاديات دول أوروبا _التي انهكتها الأزمات التي مرت بها_ نتيجة الزيادات المتوالية لأسعار النفط، وتدني إنتاج النفط الليبي الذي يتميز بانخفاض نسبة الكبريت فيه، والذي تعتمد عليه كثير من مصافي النفط الأوروبية.

أما على صعيد الداخل الليبي فإن إطالة أمد الأزمة وعدم حسم الأمر لصالح المعارضة أو لصالح القذافي، رغم القدرة على ذلك من قبل النيتو الذي توجهه الولايات المتحدة الأميركية، قد مكن أميركا من غرس القناعة بضرورة التدخل البري الذي من المتوقع له أن ينتهي بتقبل وجود قاعدة الأفريكوم الأميركية والتي تتخذ من  مدينة شتوتغارت الالمانية  مقراً لها حالياً، والتي رفضت الجزائر سابقاً وجودها الدائم على أراضيها.

إضافة إلى أن إطالة أمد الأزمة وتخوف الثوار من تقدم كتائب القذافي لمرات عديدة ساهم في إقناع من تبقى من قيادات الثوار لضرورة الإستناد والإستعانة بأميركا والقوى الغربية الأخرى متناسين خطورة مثل هذا الفعل الشنيع،  حيث كان  كثير منهم  يدينون القذافي لاستناده لنفس الأسياد.

أما خطر تقسيم ليبيا فإن ما حدث ويحدث يرقى إلى القول أنه يجري التهيئة له، والتقسيم لا يمثل رغبة لأبناء الأمة المسلمين  في ليبيا  مطلقاً، إنما قد يفرضه الأميركان واقعاً إذا اقتضت مصلحتهم حصوله، فمثلاً: ليبيا مقسمة وتعاني من الصوملة تعني صداعاً حاداً لدول أوروبا، وبخاصة وأن بعض دول أوروبا المشاطئة للمتوسط تقترب من إنهيار اقتصادي قد يشل الإتحاد الأوروبي بل قد يشطره إلى دول قوية إقتصادياً مثل دول شمال أوروبا وألمانيا، وأخرى مأزومة إقتصادياً مثل اليونان وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال، ومعاناة هذه الدول المتوسطية من الهجرة وارتفاع أسعار البترول نتيجة لصوملة ليبيا ستزيد من إمكانيات هز الإتحاد الأوروبي ما لم يستجب بشكل دائم للإملاءات الأميركية ومنها مثلاً قبول تركيا عضواً فيه.

وينبغي أن لا ننسى أن التقسيم على أسس عرقية أو طائفية هو أحد ركائز المشروع الأميركي لزيادة إضعاف الأمة وإنهاكها، بل إن  تنفيذ المشروع الأميركي يقوم على أساس أن منطقة الشرق الأوسط منطقة مضطربة وغير مستقرة، وأفضل طريق إلى بقاء الفوضى والفراغ السياسي والإضطراب بعد إنهاء ما يسمى بالصراع العربي "الإسرائيلي" من خلال حل القضية الفلسطينية هو بلقنة الشرق الاوسط على أسس طائفية وعرقية.

ثالثاً: جاء الإعلان عن مقتل بن لادن ليخدم أوباما في انتخابات الفترة الرئاسية القادمة التي يبدو أن صناع القرار في أميركا يرون بقاءه  للفترة الرئاسية المقبلة، ويشير إلى هذا الهدف تركيز الإدارة الأميركية على انفراد القوات الأميركية في القيام بالعمل التي ذكرت أنها قامت به  دون استعانة بالجيش أو الأمن الباكستانيين، وكذلك اعتبار أوباما للعمل الذي أعلن عنه بنفسه أنه أعظم أعماله.
أما الهدف الأهم فهو تغيير صورة المسلمين والمنطقة العربية بخاصة بعد سلسلة الثورات التي باتت تتخذ من الديموقراطية والعلمنة شعاراً ومضموناً، ولم يعد وصف  حواضن "الإرهاب" أو إنتاج "الإرهاب" مناسباً أو مشجعاً على التوجه الجديد الذي تم تصميمه بعناية للمنطقة  لإبعادها عن إسلامها، وكان اختيار أميركا لهذا التوقيت الذي يوافق نهاية الزعيم الألماني هتلر رمز النازية ليؤذن بالدخول لحقبة جديدة لما بعد "الإرهاب"  بعد الإعلان عن التخلص من رمزه الأول، وهي حقبة الديموقراطية البديلة عن الحكم البوليسي الذي ساد لعقود طويلة في المنطقة والذي رعاه الغرب، وأصبح بقاءه في وضعه الحالي يعيق تمسك المنطقة بالقيم الغربية بثوبها الجديد.

ولذلك فإن أميركا تعمل جاهدة بل وتتقصد دفع المنطقة إلى التمسك بالتوجه الجديد نحو الديموقراطية التي صورت للشعوب أنها نالتها  بثورتها ضد حكامها، وكما تعمل على التخلص بالإصلاحات والثورات من الظروف التي دفعت بها الأنظمة شعوب المنطقة للتوجه أو تاييد "الإرهاب"، وفي الوقت ذاته تثبت لأهل المنطقة المسلمين أن التوجه السلمي الذي يحمل الشعار والمضمون العلماني أفلح في تغيير أوضاع الأمة فيما لم تفلح التنظيمات والتوجهات الإسلامية التي توصم بالتطرف في الوصول إلى الحكم وتخليص الأمة من الأوضاع الفاسدة والحكام الطغاة عبر عقود خلت، وأن التنظيمات الإسلامية التي توصف بالمعتدلة والتي شاركت في ثورات الشعوب هي فقط المرشحة أن يكون لها مكان في الإصلاح والتغيير باعتبارها دون غيرها التي تمثل حقيقة "الإسلام العصري والمتسامح".

 وتكتمل الصورة لشعوب المنطقة بمظهرها الجديد والمقصود أيضاً أمام شعوب الغرب والشعب الأميركي فلا تعود "إسرائيل" واحة الديموقراطية الوحيدة  في المنطقة، وهو أحد الأسباب المهمة الذي كان يحمل شعوب الغرب للتعاطف معها ودفع دولهم لرعايتها.
  
ومما يجدر التنبيه إليه هو ظهور توجه جديد عند من يطلق عليهم اسم السلفية الجهادية بالمشاركة بالاحتجاجات السلمية  كما حصل في الأردن، والظاهر أنه سيجري تخلص تدريجي من التوجه الذي عرفت به القاعدة  بالتصفيات والانشقاقات والنزاع الداخلي والدمج بالحكومات الشعبية الجديدة، مع الاستبقاء  على  ما يلزم التذرع به "الارهاب" في حالات محدودة، وذلك بعد تلاشي الارتدادات التي ستعقب إعلان مقتل بن لادن. 

أما تصريحات يوسف جيلاني رئيس الوزراء الباكستاني مؤخراً التي ظهر فيها مدافعاً بحرارة عن اتهامات أميركا غير المباشرة للأمن والجيش الباكستانيين بالتواطؤ أو التقصير، فإنه فضلاً عن توفير ذريعة مناسبة للحكومة الباكستانية بتنقية الجيش وجهاز الاستخبارات فيه من العناصر غير المرغوب فيها، فقد وجه جيلاني باستفساره الإستنكاري للأميركان عمن كان وراء إنشاء القاعدة في تسعينيات القرن الماضي، وعمن ضخم صورة بن لادن يُعد ذلك اتهاماً للقاعدة بأن أميركا هي التي كانت وراء إنشاء هذا التنظيم وتضخيم صورة زعيمه مما يثير تساؤلات حول نقاء صورة القاعدة عند المسلمين، وبخاصة لدى أنصارها الكثيرين في الباكستان وأفغانستان، حيث يجري التحضير لانسحاب القوات الأميركية من هذه الأخيرة.

 رابعاً: طلب الأردن للإنضمام لمجلس التعاون الخليجي وترحيب دول مجلس التعاون به، وطلب مجلس التعاون من المغرب ورفض المغرب للطلب الخليجي لصالح إحياء الاتحاد المغاربي لا يصح تفسير ذلك كله على صعيد الشأن المحلي الأردني او الشأن الإقليمي المغاربي، أو حتى الشأن الإقليمي الخليجي. وإنما ينظر له من خلال مصالح السياسة الخارجية الأميركية وإن كان ذلك قد يحقق مصالح محلية أو إقليمية.

والذي يبدو أن اميركا لا تريد إحداث تغييرات في دول الخليج أو الأردن على نسق ما حصل في تونس ومصر؛ أي أن يطال التغيير رأس النظام، والإكتفاء بتغييرات إصلاحية تدريجية مع بقاء الزعماء الحاليين في المرحلة الراهنة. وأن يحدث التغيير ضمن منظومة إقليمية يساعد التباين الثقافي بين دولها على تسهيل دخول الأفكار للدول التي تعاني شبه انغلاق ثقافي ليس من السهل تغييره بقوانين تفرض فرضاً.

على أن زرع الأمل في نفوس الأردنيين مثلاً بإمكانية قبول عضوية الأردن بالمجلس يعني تهدئة الشارع الأردني الذي يعاني من سوء الأوضاع المعيشية والنقمة على الفساد والمفسدين الذين يتحكمون في مفاصل الدولة، ومن شأن انضمام الأردن مستقبلاً طمأنة الناس على إمكانية إنعاش الميزانية واستنزاف الإحتياطي من العملات الأجنبية حيث ذكر أن البنك المركزي الاردني فقد من العملات الأجنبية الشهر الماضي ما يعادل المليار دولار.

ومن شأن انضمام الأردن إلى المجلس دعم أمن دول مجلس التعاون الخليجي التي يتهددها خطر التقسيم المذهبي أو  تأثيرات الثورات العربية على غرار ما حصل في البحرين.

أما الأهم من ذلك فإن الأردن قد يشكل بوابة العبور لأطماع اليهود في السوق الخليجية، ويشكل ذلك جزرة شهية لإغراء اليهود في السير الجاد نحو الحل النهائي بجانب عصى الضغوطات الموجهة إلى "إسرائيل" من أكثر من جانب، وبخاصة وأن المبادرة العربية تقضي بإدماج "إسرائيل" في المنطقة حال التوقيع على اتفاقية سلام مع الفلسطينيين.
 
13/جمادى الآخرة/1432هـ
16/5/2011م
 
www.hizbuttahrir.org