التعليق السياسي طباعة أرسل إلى صديق
الشرق الأوسط

 

بسم الله الرحمن الرحيم

التعليق السياسي

أعلنت وزارة الدفاع الأميركية مؤخرا انتهاء العمليات القتالية الكبيرة في العراق، وإن لم تعلن انتهاء الحرب. والحقيقة أن انتهاء العمليات القتالية الكبيرة بل وحتى انتهاء الحرب كان قد حصل منذ تم تسليم بغداد، ويبدو أن الاتفاق على تسليم بغداد كان قد حصل مبكرا، حيث لوحظت تحولات في مواقف بعض الدول المعارِضة للتدخل، والتي أخذت تتحدث عن ترتيبات ما بعد الحرب وسقوط نظام صدام، كما لوحظ الضعف الشديد للجهد القتالي لمنع اقتراب القوات الأميركية من بغداد، واستغرب المحللون الاستراتيجيون عدم قيام القوات العراقية بأعمال بديهية مثل تدمير الجسور واتخاذ ما يعيق تقدم القوات المعادية.
وقد أشار بعضهم إلى أن خيانة قد حصلت من قيادة الحرس الجمهوري، وحتى لو كان هذا صحيحا فإن ذلك لا يعني تسليم بغداد التي تدافع عنها قوات ذات قيادات مختلفة مثل "فدائيو صدام" و"جيش القدس" و"مقاتلو حزب البعث".. مما يشير بوضوح إلى أن الخيانة حدثت من القيادة العليا للبعث الحاكم في بغداد، هذا مع الأخذ بعين الاعتبار أن حجم قوات الغزو حين تم التسليم لم يكن كافيا للسيطرة حتى على جزء من بغداد، وأن القدرة على المواجهة وإلحاق الخسائر الفادحة بتلك القوات وإعاقة تقدمها لأسابيع على أقل التقديرات كانت أكثر من كافية، حتى بدون اشتراك الحرس الجمهوري في القتال.

وعليه فقد باتت الطريق ممهدة أمام أميركا للسير في مخططاتها التي رسمتها بعد أن تحقق لها "بغداد أولا" وبات العمل على إعداد العراق ليكون انموذجا لدول المنطقة قريبا، بعد أن أصابت شعوب تلك الدول بالصدمة وحكوماتها بالرعب.

ويتوقع أن تقوم أميركا بإشاعة أجواء من الحرية على النمط الغربي، والسير لجعل العراق بؤرة جذب استثماري خاصة بعد أن تعمل على التخفيف من التواجد العسكري في المدن وتسليم الإدارات لقيادات عراقية، مُغَلّفة كل تلك الإجراءات بما تجلبه (الديموقراطية) على الشعوب من إيجابيات !! ومستغلة للهوة الواسعة بين الحكام والشعوب، مما يسرِّع في رسم النموذج المطلوب وإيجاد الأساس للتغييرات الجذرية وهو التغيير الثقافي الرامي إلى إبعاد الأمة عن مفاهيم الإسلام المتنامية عن الدولة والمجتمع، والتي تشكل الخطر الأكبر على استقرار أميركا في المنطقة واستغلال مقدراتها، بل وحتى على قيادتها للعالم هذا القرن كما حلمت به.

وستستمر أميركا في هز نفسية الأمة الإسلامية بإظهار ضعفها عن مواجهتها وضرورة الاستسلام الكامل لها، وما تقزيمها لحجم خسائرها إلا مثالا على ذلك، حتى تبقى صورة الأميركي الذي رسمته أفلام هوليوود، والذي كرسته حروبها السابقة بعد تفردها في قيادة العالم راسخة في ذاكرة أبناء الأمة، كما يتصور وللفترة القريبة القادمة أن تجري التغييرات المطلوبة أميركيا في دول المنطقة طوعا أو رعبا، وستكون مبررات حكام المنطقة أمام الشعوب تجنب سطوة أميركا التي صُورت أنها لا تقهر، وما التهديدات التي تلقتها سوريا مؤخرا إلا دفعا لها للسير باتجاه التغييرات المطلوبة، وإن كان المقصود بإثارة مسألة أسلحة الدمار الشامل وطرحها في هيئة الأمم التأثير على سير العملية السلمية، وتصفية قضية فلسطين.

أيها المسلمون..

إن أولئك القادة البعثيين في العراق الذين منحوا أميركا نصرا تاريخيا رخيص الكلفة، مفرطين بالأمة وكرامتها ومقدراتها، وسلموا بغداد التي كانت عاصمة الخلافة وعنوان عز المسلمين للكفار الأميركان، لا يختلف حالهم عن حال بقية حكام بلاد المسلمين الذين تربعوا على أنفاس الأمة التي تمقتهم وتتمنى لو أن الأرض تنشق وتبتلعهم، لما جرّوا عليها من ويلات وهزائم.

فلا يوجد في بلادنا حاكم إلا وأشغل أبناء الأمة ووضع جزءا وافرا من مقدراتها لحشد الولاء لشخصه، وجعلِهِ استمرار بقاء عرشه غاية تهون أمامها خيانة الأمة والتفريط بكرامتها ودماء أبنائها، ولا يوجد في بلادنا حاكم إلا وأوفى بعهده لمن وضعوه على رقاب أبناء الأمة في الحفاظ على حالة التجزئة، جاعلا الحدود التي رسمها الكفار بين بلاد المسلمين بمنزلة المقدسات التي لا تمس، يتحاكمون لمن وضعوها دون خجل ليبينوا لهم نصيب كل منهم فيها، ويهون أمام ما أسموه باستقلالها وحماية حدودها الاستعانة بالكافر ولو كان في ذلك ذبح المسلمين لو اقتربوا منها، ولا يوجد حاكم في بلادنا لم يطأطئ الرأس لما أسموه بالشرعية الدولية راهنا إرادة الأمة بما يمليه عليه من صنعوا هذه المنظمات لخدمة أهدافهم وفصّلوا قراراتها حسب مصالحهم، ولا يوجد في بلادنا حاكم إلا وقد التزم بما خططه الكفار لإبقاء بلادنا منهوبة لهم، وفي حالة مزرية من التخلف الصناعي وبما لا تتمكن معه من الانفكاك عن الارتباط الدائم بالأجنبي وإبقاء النمط الاستهلاكي لمنتجاته.

ولا يوجد في بلادنا حاكم بنى دولته على أساس عقيدي سليم، ليكون مرجع الأمة في حل مشاكلها، وتؤسس عليه إرادة الأمة لتوجيهها بشكل فاعل ومنتج نحو مصالحها الحقيقية ] أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين [، وما تكشف عن طبيعة ولاء الناس في العراق لقيادة البعث إلا خير مثال على ذلك، فهم لم يلتفوا التفافا صادقا حولها، بل كان الأمر لا يعدو النفاق الناتج عن الخوف أو المصلحة، والسبب الحقيقي أنها لم تجعل العقيدة الإسلامية والتي يحمل الناس لها الولاء أساسا للدولة، رغم أنهم يعلمون علم اليقين أن الإسلام والإسلام فقط وليست القومية وتخاريف البعث هو المحرك الحقيقي لأبناء الأمة ليس في العراق فحسب وإنما في الدنيا كلها.
بمثل هؤلاء الحكام تسلط الكفار على المسلمين وما يزالون، وبمثل هؤلاء الحكام جرى تقزيم هذه الأمة العملاقة، وبمثل هؤلاء الحكام استمرت تجزئة الأمة وتمزيقها وتبديد طاقاتها. وبمثل هؤلاء الحكام وبفضل جهودهم وبطولاتهم الزائفة ضاعت المقدسات، وانتهكت الحرمات، وكسرت شوكة الأمة وداهمتها المصائب والويلات، وتتالت الهزائم ونال الكفار من دماء المسلمين وأعراضهم ومعنوياتهم، وانتقصوا من دينهم ونهبوا مقدرات بلادهم.

أيها المسلمون..

إن جريمة احتلال العراق من الكفار الأميركان وحلفائهم لم يتسبب بها قادة البعث في العراق وحدهم وإن كانوا الأكثر مساهمة فيها، بل اشترك في هذه الجريمة كل حكام بلاد المسلمين، سواء من فتح أراضيه أو أجواء بلاده أو سمح بمرور قواتهم البحرية أو قدم المال أو المعلومات الاستخبارية أو ضلل الأمة بالترويج لإدعاءات أميركا بالقدوم لتحرير العراق ناهيك، عن عدم تحريك جيشه لفتح جبهة يخفف بها عن جيش العراق، كل أولئك الحكام اشتركوا في الجريمة وسفك دماء المسلمين ودمار بلادهم، وإذلالهم بتمكين الكفار منهم.

وإن النموذج الذي تريد أميركا أن تصنعه في العراق وتريد تعميمه في المنطقة هو نموذج "عراق حر ديموقراطي" أي عراق علماني بثوب جديد، مستغلة الهوة الواسعة بين الحكام وأبناء الأمة، وملتفة على آمال أبناء الأمة في الانعتاق من ظلم حكامهم ونذالتهم، فهي تريد أن تسوِّق العلمانية من جديد، مروجة لهذا الفكر الباطل والذي لو صلح لكل أهل الأرض فهو لا يصلح لإنهاض المسلمين وانعتاقهم، ولن يتحقق بهذا الفكر الملاذ الآمن للشعوب كما تشيع أميركا وحلفاؤها ذلك.

فالمسلمون لم يعودوا يتجاوبون بعد تنامي مفاهيم الإسلام عن الدولة والمجتمع مع فكر يفصل الدين عن الحياة، خاصة وقد أصبحوا يثقون بصلاحية أحكام الإسلام وحدها لمعالجة كافة نواحي الحياة، ولم تعد مقصورة عندهم على العبادات فحسب.

والمسلمون يرفضون الديموقراطية والتي تقتضي أن يختار الشعب دستوره وقوانينه لتعارض ذلك مع إيمانهم، فلا خيار أمامهم في أخذ أي تشريع بعد إيمانهم بعقائد الإسلام وإقرارهم وتسليمهم أن التشريع لله وحده ] ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم [ وحتى أختيارهم للحاكم فهو مرتبط كذلك بتشريع الله، فلا يحل لهم الإقدام على انتخاب حاكم لا يريد الحكم بما أنزل الله، ولا يحل لهم اختيار حاكم لا تتوفر فيه الشروط الشرعية.

والمسلمون يرفضون كذلك أن يضللوا بكون أميركا تحمل لهم الخير مهما ادعت، فقد باتوا يدركون عدائها لدينهم، ووجهها الاستعماري البشع، وشراهتها ونهمها في نهب خيرات الأمم والشعوب، ومن ظن أنها جاءت لتحرير العراق وقبلها الكويت فهو إما موتور أحمق أو جاهل قصير النظر..

فالأمة الإسلامية لم تخض ومنذ سقوط الخلافة معركة حقيقية واحدة مع الكفار، ذلك أن حاكما واحدا في بلاد المسلمين بعد هدم الخلافة لم يقاتل الكفار واضعا الإسلام أساسا للمعركة آخذا بأسباب نصر الله وشروطه. فالله يمنح نصره لمن ينصره، وليس لمن يقيم دولته مستبعدا عقيدة الإسلام من أن تكون أساسها والمصدر الوحيد لتشريعاتها. والله يمنح نصره لمن يُعد للقاء العدو ما يستطيع من سلاح رادع يرهب به أعداء الله ويعد الخطط المناسبة لذلك اللقاء. وحاشا لله أن يخلف وعده بالنصر ما التزم المسلمون ما أمرهم به.

أيها المسلمون.. أيها المسلمون في العراق.. 

إن أميركا ستعمل على الاستفادة من ردة فعلكم تجاه النظام السابق ومظالمه، لتعيد تركيز العلمنة في بلادكم بأسلوب مختلف، وستجعل النظام القادم في خدمة مصالحها ولكن تحت غطاء الديموقراطية، أي بموافقة شعبية، وستعمل على تركيز مفاهيم الكفر ونبذ مفاهيم الإسلام المنهضة وإحكام قبضتها على مقدرات العراق ونهب خيراته من جديد.

وعلى بعض أبناء مسلمي العراق أن يتنبهوا إلى أن تسلط نظام البعث عليهم في السابق لا يبرر وقوفهم إلى جانب أعداء الله، وعليهم أن يتذكروا أن قمعهم في السابق على يد نظام البعث كان بدفع ومباركة من أميركا التي تضللهم بلعب دور المنقذ رغم أن كل المصائب لأهل العراق كانت هي التي تسببت لهم بها.

وعلى أبناء المسلمين في العراق أن يدركوا أن القيادة العراقية القادمة هي قيادة أكثر خيانة من سابقتها، وهي فريدة في تاريخ القيادات العربية الخائنة، إذ تعودت الشعوب على قيادات تصل إلى الحكم على ظهور دبابات جيوشها، وبدفع وتمويل من السفارات الغربية، ولكننا لم نشهد قيادة تأتي إلى الحكم على ظهر دبابة أميركية غازية غير القيادة القادمة إلى العراق.

وعلى أبناء المسلمين في العراق أن يتنبهوا إلى ما يحيكه الكفار الأميركان والإنجليز بما يفرقون به صفهم، وأن يذيقوهم ما لم يذوقوه من سطوتهم وحميتهم على دينهم بعد أن دنسوا أرض الإسلام، وموطن الخلافة، وأن يضعوا نصب أعينهم إعادة حكم الإسلام، ولا يبغون عن ذلك بديلا.

أيها المسلمون..

إن أميركا الغازية بكل جبروتها وحلفائها معها لا يخيفون هذه الأمة العظيمة، وأن أميركا لم تكن لتحتمل الخسائر في صفوف جنودها لو دخلت بغداد ولم تحصل تلك الخيانة التاريخية من قادة البعث المجرمين، ولقد كان قليل من الصمود كافيا للتأثير سلبا على وضعها في الموقف الدولي بشكل كبير.

وإن ما ينقذنا من كل ما نعاني من مصائب وويلات هو ان نعمل جاهدين على إيجاد سلطان الإسلام في واقع الحياة، نابذين أولئك الحكام الأنذال، الذين لا يتوانون عن التفريط بنا وخيانتنا حفاظا على حياتهم وأموالهم، وذلك بتنصيب واحد منا نبايعه على كتاب الله وسنة رسوله ليحكم فينا بما أنزل الله، ونرفع حينها راية لا إله إلا الله خفاقة فوق ربوع بلادنا، ويذل الله بعد ذلك الكفــر وأهله بعد أن يعلموا ]..من أضعف ناصرا وأقل عددا [.ولن تتكلف الأمة من تضحيات من أجل ذلك إلا أقل بكثير مما تخسره في معركة واحدة يديرها خائن يهون عليه أن يبيعها لأعدائها بثمن بخس.

 [ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز]

16/صفر/1424هـ
                                                                                     
18/4/2003م

 حزب التحرير

www.hizbuttahrir.org