ارتفاع أسعار النفط طباعة أرسل إلى صديق
الموقف الدولي
بسم الله الرحمن الرحيم

دردشات

ارتفاع أسعار النفط
 
لم تكن الكميات المعروضة من النفط سببا في هذا الارتفاع لأسعاره ، بل إن دول الأوبك عمدت إلى زيادة الكميات المعروضة أربع مرات متتالية حتى تبين للمتتبع بشكل لا جدال فيه أن عرض النفط في السوق العالمي لا علاقة له بزيادة أسعاره خاصة وأن الكميات المطروحة في السوق العالمي تفيض عن حاجته البالغة قرابة 75 مليون برميل يوميا .وقد أدت الارتفاعات المتوالية لأسعار النفط إلى احتجاجات واسعة في أوروبا خاصة ، وكان لهذه الارتفاعات تأثيرات شديدة في كل من ألمانيا وفرنسا وبلجيكا والنرويج وغيرها ، واللافت للأنظار أن تلك الاحتجاجات الشعبية والنقد الشعبي اللاذع كانا مسلطين على الضرائب التي تأخذها الحكومات الأوروبية على النفط والبالغة (60_80% ) ، ولم توجه النقمة إلى الدول المنتجة للنفط رغم المحاولات من قبل الحكومات الأوروبية في إلقاء اللوم على الدول المنتجة للنفط ، ورغم كل تلك الارتفاعات لم يعلن عن احتجاجات مماثلة لما حصل في أوروبا في كل من أميركا واليابان وروسيا .

أما الدوافع الحقيقية لارتفاع أسعار النفط فتقف وراءها على ما يبدو أهداف السياسة الخارجية الأميركية تجاه أوروبا أولا ، وخدمة مصالحها في استغلال نفط بحر قزوين ثانيا ، وتفعيل أدواتها من المنظمات الدولية ثالثا ، أما الأسباب المباشرة والتي كان لها الأثر الفاعل في زيادة أسعار النفط فقد كانت المضاربات التي قامت بها شركات النفط في البورصات العالمية -حيث أنه من المعلوم أن معظم تلك الشركات أميركية أو مملوكة لأميركيين- ، وقد ساهمت التسريبات المقصودة عن النقص في احتياطي النفط في الولايات المتحدة الأميركية وانخفاضها إلى أدنى مستوياتها منذ 24 عاما في تأجيج المضاربات ، ويضاف إلى ذلك أوروبيا انخفاض سعر اليورو والذي وصل في 22/10 الماضي إلى ما يقارب 85 سنتا وفقدانه 28% من قيمته مقابل الدولار مما يعني زيادة إحساس الشارع الأوروبي بأثر تلك الارتفاعات خاصة مع وجود تلك النسب الضريبية العالية التي تستوفيها الحكومات الأوروبية عـلى النفط .

لقد كانت أزمة النفط الأخيرة وبالا على الحكومات الأوروبية التي تمثل الأحزاب العمالية والاشتراكية ، حيث انخفضت شعبيتها بشكل واسع ابتداء من الحكومة البريطانية والفرنسية والألمانية حتى الحكومة النرويجية -وهي دولة منتجة للنفط- لم تسلم حكومتها العمالية من النقد ، وارتفعت في المقابل أرصدة الحزب التقدمي اليميني والذي يدعو إلى تخفيض الضرائب على الوقود ، وقد لمس بوضوح استهداف دور الدولة كداعم للبرامج الاجتماعية والضمان الصحي والذي يستهلك الكثير من الأموال من خزينة الدولة . ومن المعروف أن تلك الحكومات كانت لها تحفظات واضحة على مؤتمر سياتل ( للعولمة ) خاصة فيما يتعلق بقطاعات الزراعة والخدمات والبرامج الثقافية .

أما نفط بحر قزوين فقد أنفقت الشركات الأميركية أموالا ضخمة للشروع باستغلاله ، تبلغ كلفة إنتاج البرميـــل الواحد ة ( 10 ) دولارات تقريبا مقابل 1 – 2 دولار كلفة إنتاج النفط في دول الخليج خاصة ، لذلك فإن ارتفاع مستويات أسعار برميل النفط يمكِّن من استغلال حقول نفط بحر قزوين وتحقيق مصالح أميركا في تلك المنطقة ، وتكون بذلك قد استكملت تقريبا حلقات وضع اليد على منابع النفط وأحكمت السيطرة على إنتاج وتسويق وتسعير تلك المادة والتي تشكل عصب الصناعة في العالم ، إضافة لاستنزاف موازين مدفوعات الدول الأخرى ليغدو القرن الحادي والعشرين قرنا أميركيا كما يخططون له .

أما ثالثا فإن البيان الختامي لاجتماع دول أوبك -والتي تنتج 40% من الإنتاج العالمي للنفط- في فينا في أيلول الماضي كان قد أشار إلى أنها تريد بحث إقامة حوار بين المنتجين والمستهلكين بهدف استقرار السوق وزيادة شفافيتها وضمان نمو دائم للاقتصاد ، ودعت المنظمة الدول غير الأعضاء للانضمام إليها حتى تصبح المنظمة مظلة لجميع الدول المنتجة للنفط ، كما دعت الدول إلى إقامة علاقات متعددة الأطراف عبر منظمة التجارة العالمية والاتحاد الأوروبي ، وهذا الأمر يجعل دول أوبك على قدم المساواة مع الدول المستهلكة بالنسبة لتحديد أسعاره ، مما يقوي موقف هذه المنظمة ، ويضعف في المقابل مكانة الدول الأوروبية ، وهذا ينسجم مع الإجراءات التي تسير فيها أميركا لإعادة ترتيب العلاقات الدولية بين دول العالم وترتيب شؤونه من خلال منظمات دولية وأخرى إقليمية يكون لأميركا السيطرة الأساسية عليها .

أما حكومات الدول القائمة في بلاد المسلمين فإن ثروات الأمة تنتهب أمام ناظريها وكل ما تفعله هو أن تسهل لأميركا نهب خيرات بلاد المسلمين وتنفيذ رغبة الإدارة الأميركية في إحكام قبضتها على العالم .

19/11/2000م

22/شعبان/1421هـ