بحث
كتب حزب التحرير
- التكتل الحزبي
- الجهاد في الإسلام
- الحملة الأمريكية للقضاء على الإسلام
-
الشخصية الإسلامية الجزء الأول
-
الشخصية الإسلامية الجزء الثاني
- الشخصية الإسلامية الجزء الثالث
-
النظام الإقتصادي في الإسلام الطبعة الثانية
-
مفاهيم حزب التحرير
-
مقدمة الدستور لحزب التحرير
-
الدعوة الحارة للمسلمين
- نظرات سياسية لحزب التحرير
- واجب الأمة الإسلامي
- نظام الإسلام
- المفاهيم السياسية
-
الدولة الإسلامية و"الدولة المدنية"

المتواجدون الآن
يوجد 5 زائر حالياً| الفرق بين البلاغة والإعجاز في القرآن |
|
|
| ثقافة |
|
بسم الله الرحمن الرحيم
الفرق بين البلاغة والإعجاز في القرآن
جواب سؤال
س1 : جاء في مقدمة الدستور ما نصّه : (( فيكون الإعجاز إنما هو باللفظ العربي المعبِّر عن المعنى بالأسلوب العربي ، أي أن قوله تعالى : { وإما تخافنَّ من قومٍ خيانةً فانبِذ إليهم على سَواءٍ } معجزة للناس أن يأتوا بمثلها ، وإعجازها آتٍ من روعة التعبير بهذه الألفاظ عن المعاني التي أدّاها هذا السبك بهذا الأسلوب )) نرجو التوضيح .
ج : القرآن هو كلام الله المنزَّلُ على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لفظاً ومعنى ، وهو معجِز بذاته لا بأمرٍ خارج عنه . وإعجاز القرآن واضح في أسلوبه ، أي في كيفية التعبير لتصوير المعاني بالعبارات اللغوية . فالإعجاز هو التعبير عن المعاني بكلامٍ فصيحٍ بليغٍ مؤثرٍ منظومٍ على طراز يَعْجَز البشر عن مضاهاته . وقد يظهر في الآية الواحدة البلاغةُ والفصاحة وجمال التعبير وقوّة التأثير في السامع ، كما في قوله تعالى في سورة هود : { وقِيلَ يا أرضُ ابْلعي ماءَكِ ويا سماءُ اقْلِعي ، وغِيض الماءُ وقُضِي الأمرُ واستوتْ على الجُودِيّ ، وقيل بُعْداً للقوِم الظالمين } . وقد لا يظهر في بعضها الآخر منفردةً، في نحو قوله تعالى في سورة يوسف : { الر ، تلك آياتُ الكتابِ المبين } ، وفي سورة مريم : {كهيعص } ، وفي كلٍ من الآياتِ التالية من سورة الرحمن : { الرحمن } { علَّم القرآنَ } ، { خَلَق الإنسانَ } ، { علَّمه البيان } . ولكن البلاغة والفصاحة والتأثير في السامع يُلمس فيها من سياقها مع غيرها من الآيات . ومما يجب أن يُعلم أن الفصاحة والبلاغة وقوّة التأثير في السامع يُلمس شيء والإعجاز شيء آخر . إذ الإعجاز هو التعبير عن المعاني بكلامٍ فصيح بليغٍ مؤثّر منظومٍ على صورة غير معهودة عند العرب في أساليب تعبيرهم ، أي مغايرة لأساليبهم . وأظهر ما تكون المغايرة في السورة أو السوَر حيث يتصرّف القرآن بالتعبير متنقلاً بين أنواع النثر كالنثر المرسل والمـزدوج والمسجوع ، والمراوحة بين الأساليب الإنشائية والخبرية بشكل بديع مدهش دون أن يلتزم شيئاً واحداً منها ، فيمزج بين أنواع التعبير مزجاً مُحيِّرا للبليغ المدرك للمعاني ، ومستولياً على أحاسيس المستمع سواء كان مدركاً للمعاني أو غير مدرك ، وإذا لَزِمَ نوعاً منها فإنه يكون في القمّة ، بحيث لو أراد البليغُ أن يشابهه لعَجَز وانقطع . وعلى هذا فالبلاغة والفصاحة وقوة التأثير يمكن أن تَتبيَّن في الآية الواحدة ، ولكن الإعجاز لا يتبيَّن . ووصف آية من القرآن بأنها معجزة للناس أن يأتوا بمثلها وصف لما فيها من البلاغة والفصاحة وقوة التأثير ، وليس تحديداً لمعنى الإعجاز ومقداره ، حيث قام الدليل القطعي على أن السورة من القرآن هي أقلّ قدرٍ معجزٍ من القرآن وليس الآية . وعليه فاشتراط مَنْ اشتَرَط للإعجاز مقدارَ أطول آيةٍ أو آيات كثيرة ، (( حتى يكون الحديثُ تامّاً ويَتبيَّن فيه البلاغة ، والتي محصولُها الإبانةُ في الإبلاغ عن ذاتِ النَّفسِ على أحسن معنى وأجزل لفظ ، وبلوغُ الغاية في المقصود بالكلامِ ، وأنه إذا تجاوز حدَّ البلاغة إلى حيثُ لا يَقْدر عليه أهلُ الصناعة ويعجز عنه الكاملُ في البراعة حُكِمَ له بالإعجاز )) غيرُ صحيح ، لأنه مبناه على البلاغة وحسن المعنى ، وهو غير كافٍ في الدلالة على الإعجاز ، لأن قُصارى ما يعرفه البليغ من الآية أو الآيات هو بلاغتها وفصاحتها وقوة تأثيرها . وإقرار بليغ بعجزه ليس حجة على عجز غيره من البلغاء ، إذ العبرة بعجز البشر جميعهم لا بعجز فرد أو أفراد منهم . فالعبرة هـو تحقُّق الإعجاز ، والإعجاز يُعْرَف بعجز العرب عن الإتيان بمثله مع وجود التقريع والاستفزاز بالتحدي . ويكفي دلالة على عدم وجود ضابط لغوي يُعرف به الإعجاز إقرارُ العلماء بالعجز عن معرفة وجه الإعجاز وموضعه في كل قَدْرٍ من القرآن ، وقولُهم بأن الإعجاز في السور الطوال أوضحُ منه في السور القِصار ، وأن الإعجاز في بعض السور والآيات أظهرُ وفي بعضها أغمضُ وأدق ، وإقراراهم بأن العالمِ البليغ قد يذهبُ عليه الوجهُ في بعض السور فيحتاج إلى إجماعٍ أو توقيفٍ أو ما عَلمه من عجز العرب قاطبةً عنه . ففي قولهم هذا كفاية في الدلالة على عدم وجود ضابط لغوي يُعْرَف به الإعجاز ، وفي الدلالة على أن مجاوزة الحدّ في البلاغة وصف غير منضبط ، فهو نسبيّ يختلف من شخص إلى آخر ، بحسب تمكّنه وذَوْقه ، وليس عائداً لأمرٍ ذاتي في نفس البلاغة .
هذا كله من حيث اللغة . أما من حيث الدليل فإن الدليل القطعي قد قام على أن القرآن بجملته معجز ، وذلك أن الله سبحانه وتعالى قد تحدَّى العرب بالقرآن ، فقال عزَّ منْ قائل : { قُلْ لئِن اجتمعت الإنسُ والجِنّ على أن يأتوا بمثل هذا القرآنِ لا يأتون بمثْله ولو كان بعضُهم لبعض ظَهِيراً} . فعَجز المخاطَبون جميعاً عن الإتيان بمثل القرآن .
وقام الدليل القطعي كذلك على عجزهم عن الإتيان بجملة من القرآن ، فقال تعالى : { أمْ يقولون افتراه ، قُل فأتوا بعشرِ سُوَرٍ مِثْلهِ مُفْترياتٍ ، وادعوا من استطعتم مِنْ دُونِ اللهِ إنْ كنتم صادقين } . فعجزوا جميعاً عن الإتيان بعشر سور مثل القرآن .
وقام الدليل القطعي كذلك على عجزهم عن الإتيان بجزء منه وهي السورة ، قال تعالى : {وإنْ كنتم في رَيْبٍ مما نزَّلْنا على عبدنا فأتوا بسورةٍ من مِثْله وادْعُوا شُهداءَكم مِنْ دون اللهِ إنْ كنتم صادِقين } ، وقال : { أمْ يقولون افتراه ، قُلْ فأتوا بسُورةٍ مثْلهِ وادْعوا من استطعتم مِنْ دُونِ اللهِ إنْ كنتم صادقِيِن } . وقد عَجَزوا جميعاَ عن الإتيان بسورةٍ من مثل القرآن ، وهذا هو أقلُّ قدر معجِزٍ من القرآن دلّ عليه الدليل اليقينيُّ ، وهو السورة من القرآن صغيرةً كانت أم كبيرةً ، ولم يقم دليل على عجز العرب عن المعارضة في أقلَّ من هذا القَدْر . والأمر المتفق عليه بين المسلمين أن القرآن جميعَه معجز ، وأن العشر سور منه معجزة ، وأن كل سورة برأسها معجزة ، وما عدا هذا فمختَلف فيه ، لعدم وجود الدليل القطعي الرافع للنزاع ، . فقيل : إذا كانت الآيةُ بقدر حروف سورةٍ وإنْ كانت سورَة الكوثر فذلك معجز ، أو المعجز هو كل ما كان بمقدار سورة . وقيل : المعجز هو ما كان بمقدار أطول آية ، وقيل : يُشترط للإعجاز أن تكون الآيات كثيرة . وهذه الأقوال ترجع إلى أصلين ، الأول مبني على القياس ، والثاني مبني على أن تمام الحديث وظهور البلاغة لا يتبيّن في أقلّ من أطول آية أو آيات كثيرة . وهذا كلّه لا شيء ولا ينهض دليلاً على الإعجاز ، لأن الإعجاز من العقيدة ، ودليل العقيدة لا بد أن يكون قطعيَ الثبوت قطعيَ الدلالة .
أما القياس هنا فهو قياس في العقيدة وهو باطل ، لأن العقيدة لا تثبت بالقياس ، وإنما تثبت بالدليل القطعي سوء كان عقلياً أو نقلياً . والقياس هنا لا يفيد القطع ، بل لا يفيد الظنّ ، فإنهم قاسوا حروف الآية على حروف السور ولم يأت في القرآن إشارة على اعتبار عدد الحروف ، ولا فرق بين هذا القياس وبين قياس عدد الآيات على عدد آيات أصغر سورة أو أي سورة ، وقد يقاس بقياس غير هذين ، وليس أحدها بأولى من الآخر ، لأنها قياسات نظرية لا تقوم على أساس .
على أن القياس من الأدلة الإجمالية وهي ثابتة في الفروع الفقهية بإلحاق فرعٍ بأصلٍ بجامعٍ بينهما ، ولم يقم دليل على اعتبار القياس في العقيدة ، بل إن القياس في العقائد ممتنع ، لأنها غير معلَّلة ، وليس فيها فرع وأصل ، بل كل ما كان من العقيدة فهو أصل . فالعقائد تُعرف بالدليل المنصوب إلى إثبات وجودها ، ولا تُعْرف بالقياس .
والقول الثاني مبني على ربط الإعجاز بالبلاغة والفصاحة المجاوزة للحدّ ، وقد ثبت بطلانه لأن البلاغة والفصاحة غير الإعجاز ، وأنه لا بدّ للكلام البليغ والفصيح من نظم ينظمها على وجه معجز ، وأن وصف المجاوزة للحدّ وصف اعتباريّ وليس وصفاً حقيقياً . على أن في القولين المذكورين إغفالاً لحقيقة التحدي حين اعتبرا الإعجاز في مقدرا غير مقيَّد ، بينما حقيقة التحدي في المقدار الأقل قائمة على التحدي بسورة مثلِ القرآن ، أي مثل سور القرآن ؛ لأن (( مثله )) في الآيات صفة للسورة ، أي أن السورة قَيْد للمثلية ، فعلى قابل التحدي أن يأتي بمثل سورة محدَّدة من القرآن على الأقل ، بمثل ما فيها من أساليب . فالذي يقبل التحدي بسورة الكوثر عليه أن يأتي بمثل أسلوب نظمها وحجمها ، والذي يقبله بسورة البقرة عليه أن يأتي بمثل أسلوبها ، أو أساليب نظمها وبحجمها حتى تتحقق المثلية . وعليه فإنه أقل قدر قام الدليل القطعي على إعجازه هو السورة في القرآن ، ولم يقم دليل على أقل من ذلك المقدار مطلقاً .
6 جمادى الأولى 1419 هـ
28/8/1998 م
|


