الصفحة الرئيسية >> آسيا >> التحاليل السياسية >> الحل الأمريكي لقضية كشمير
الحل الأمريكي لقضية كشمير طباعة أرسل إلى صديق
آسيا

 


بسم الله الرحمن الرحيم

التحليل السياسي

منذ القمة الهندية الباكستانية في مدينة آكرا وقبل قمة كاتماندو في نيبال مؤخرا عقد رئيس الباكستان برويز مشرف ورئيس الحكومة الهندية فاجبايي عدة لقاءات، منها اللقاء الهام على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك في شهر نوفمبر/تشرين ثاني الماضي والذي أكدت الباكستان حينها وعلى لسان وزير خارجيتها في مقابلة مع تلفزيون رويترز أنه "...متفائل تماما ليس فقط لأن الاجتماع سيعقد لكن أيضا بأن المحادثات ستكون بناءة وإيجابية وموجهة لبناء مستقبل أفضل من الماضي ... وأن الرئيس مشرف يتطلع بشغف إلى هذا الاجتماع لأننا جميعا نقر بأنه لا ينبغي حل الخلافات بالطرق العسكرية..."، وكان مشرف قد سبق أن صرح في مقابلة تليفزيونية قبل عدة أشهر " أنا سأغير مجرى تاريخ كشمير ". 
وكانت أمريكا قد وضعت خطة سياسية لإنهاء المشكلة الكشميرية لإرساء قواعد السلام في شبه القارة الهندية بما يتفق وسياساتها لجنوب ووسط آسيا. إن متطلبات تنفيذ السياسة الأمريكية الخاصة بشبه القارة الهندية تقتضي ابتداءً وضع حل نهائي للمشكلة الكشميرية تمضي الهند في السير به مقابل إغرائها بدور ريادي إقليمي على الصعيد السياسي والاقتصادي، ولإزالة المعيقات عن سير الهند في الحل فإن ذلك يتطلب حاليا استمرار الضغط على الشارع الهندي والوسط السياسي بتفعيل العمليات العسكرية في كشمير والمناطق الهندية القريبة من الخط الفاصل حتى يتم قبول الحل الأمريكي، والذي يقضي بتنفيذ الاستفتاء في كشمير لا لضمها للهند أو للباكستان كما كان مطروحا في السابق كحلول اعتمدتها الأمم المتحدة، بل باعتماد الطريق الثالث وهو الاستفتاء، والذي سيؤدي إلى استقلال كشمير عن كلتا الدولتين بعد نزاع استمر 54 عاما. حيث بات طرح فكرة الاستقلال مؤخرا يسيطر على الرأي العام في كشمير إضافة لتهيئة الأجواء لذات الفكرة في البلدين المتنازعين، ولاستكمال حلقات المباشرة في تنفيذ المخطط الأمريكي كان لا بد من الإيحاء لحكام الهند بتركيز مهاجمتهم للدور الباكستاني في مساندة ودعم وتسهيل العمليات العسكرية والمطالبة بوضع مثل تلك العمليات على رأس قائمة المباحثات بين البلدين مقدمة للتخلص من معيقات الحل السلمي بإنهاء دور الجماعات المسلحة تحت مظلة سياسة مكافحة الإرهاب

وقد جاءت العملية العسكرية على مبنى البرلمان الهندي في 13/12/2001م وفي العمق الهندي خارج حدود ولاية كشمير، خلافا للعمليات السابقة خلال الأشهر الماضية منذ الضربة على أمريكا، حيث وضعت القضية الكشميرية وضرورة وضع حل نهائي لها على طاولة البحث بعد انتهاء الولايات المتحدة الأمريكية من ترتيب الوضع في أفغانستان بتشكيل حكومة انتقالية مؤقتة، وإيجاد المناخ المناسب الذي سيسمح للرئيس الباكستاني للقيام بالأعمال التي وعد بها مسبقا للقضاء على الإرهاب، ابتداء بملاحقة بقايا حركة طالبان والقاعدة داخل الباكستان، ووصولا إلى إنهاء دور الحركات الإسلامية المسلحة التي دأبت على تلقي الدعم من الباكستان، انسجاما مع العرف الدولي الجديد الذي أرسته أمريكا "مكافحة الإرهاب" وتنفيذا لمقتضايت السياسة الأمريكية حيال قضية كشمير

وواقع العملية العسكرية الأخيرة على البرلمان الهندي أنها كانت ضربة موجعة وإن لم تؤد إلا إلى سقوط بضعة قتلى، فقد وقعت في داخل العمق الهندي وضد شعار الدولة الهندية، وكان من أبرز نتائجها تسليط الضوء بقوة على قضية كشمير مجددا وعلى ما أسمته الهند "الإرهاب الباكستاني"، حيث سارعت الهند إلى حشد جيشها نحو الخط الفاصل مع كشمير الأمر الذي يعزز إنطلاقة جديدة تجاه حل قضية كشمير، ولو لم يكن حل قضية كشمير هو ما يشار إليه لما كان حشد كل تلك القوات على الخط الفاصل مع كشمير دون سائر حدود البلدين

وفي النتيجة فإن المراد من مجمل الأحداث أن تصب في بيان أن الحل لم يعد عسكريا بالنسبة لكل من الهند والحركات المطالبة باستقلال كشمير، وان المحادثات السياسية هي الطريق الوحيد المقبول لإيجاد حل سلمي في المنطقة. فعلى الهند الاعتراف بحق الكشميريين، وعلى الحركات المطالبة بالاستقلال القبول بالعمل السياسي أو مواجهة النهاية في ظل نتائج أحداث 11 أيلول/سبتمبر وانعكاساتها. وقد أكد مركز (تيهيلكا) السياسي الهندي أن "الهند قد بدأت محادثات مباشرة مع الحركات الكشميرية للوصول إلى تفاهم حول الحل السياسي للمشكلة".

ومما يلزم لدفع الانطلاقة الجديدة بقوة باتجاه الحل هو قيام الباكستان بالدور المرسوم لها باحتواء وضبط بل القضاء على الحركات "الجهادية"، حيث صرح متحدث باسم البيت الأبيض أن بوش كان قد أشار إلى مشرف أنه على "الباكستان أن تتخذ إجراءات إضافية وحاسمة للقضاء على الحركات المتطرفة التي تريد الضرر بالهند وضعضعة الباكستان وإشعال نار الحرب بين الهند والباكستان وزعزعة الائتلاف ضد الإرهاب". إضافة إلى تسليط الضوء على كافة الحركات الإسلامية السياسية والعسكرية في الباكستان وعلاقاتها ببعض رموز النظام العسكري الباكستاني ومنح الرئيس مشرف الذريعة السياسية للتوجه إلى قمع تلك الحركات ووضع السياسات المرسومة من قبل حكومته _والتي تمخضت عن الاجتماعات المتتالية بين الجانبين في الأشهر الأخيرة منذ قمة آكرا_ حيز التنفيذ بإلقاء القبض على رؤوس الحركات "العسكرية" وتجميد أعمالهم وأصولهم المالية. فلقد ذكر متحدث باسم البيت الأبيض أن الرئيس بوش قد "وعد رئيس الوزراء الهندي فاجبايي أن الولايات المتحدة ستدعم وتساند الهند في حربها على الإرهاب". وهذا فعلا ما أكده معهد ستراتفور للدراسات الاستراتيجية حيث ذكر أن التوتر الحالي ما بين الهند والباكستان هو "...عينه ما تحتاجه الولايات المتحدة لدفع مشرف نحو تنفيذ وعوده بكبح جماح الإرهاب".

ولقد كان من نتائج التصعيد العسكري كذلك البدء بأعمال لم الشمل الباكستاني إيذانا بالبدء بأعمال التسوية النهائية، فلقد أرسل الرئيس مشرف برسالة خاصة إلى رئيسة الوزراء الباكستانية السابقة بناظير بوتو والمقيمة في دبي لحضور مؤتمر خاص بالسياسيين الباكستانيين لدراسة الوضع الحالي مع الهند وبحجة أن الاجتماع "من المصلحة الوطنية". وهذا ما أكدته بوتو في تصريح لها حيث قالت أن "لم الشمل الوطني مهم جدا للاستقرار الداخلي للبلد" مما سيكون له أثر في تفويض مشرف لحل المشكلة الكشميرية حسب الرؤية الأمريكية.

وواضح أن التصعيد الأخير قد خفت حدته مؤخرا بعد إلقاء الحكومة الباكستانية القبض على رؤوس الحركات التي اتهمتها الهند بأنها وراء العملية العسكرية الأخيرة، والحجز على أموالها ومصافحة الرئيس الباكستاني لفاجبايي في قمة كاتماندو في نيبال مؤخرا.

ومع أن الأنباء تشير إلى وجود اشتباكات حدودية بين البلدين، فإنه من استقراء تصريحات ومواقف كلٍ من مشرف وفاجبايي وإن أكدا استعداد قواتهما وبلديهما للحرب فإنهما صرحا بشكل واضح أنهما لا يريدان الحرب، حيث أكد رئيس الوزراء الهندي أن "...الهند سوف تبذل قصارى جهدها لتفادي مواجهة عسكرية مع باكستان..." وأضاف _تنفيذا لمخطط أمريكا المرسوم للمنطقة والتزاما بتعزيز سياسة مكافحة الإرهاب_ أن "...هدفنا هو إنهاء الإرهاب الذي ترعاه باكستان عبر الحدود.. سنستخدم كافة الوسائل والموارد المتاحة لدى قيادة الهند لتحقيق هذا الهدف...". وأما الباكستان فقد اكتفى وزير خارجيتها عبد الستار بالتحذير من ".. العواقب الخطيرة...". 

أما الخطوات العملية القادمة التي ستسهم في التمهيد لحل قضية كشمير وإرساء دعائم الاستقرار بين البلدين فتهدف إلى التنسيق بينهما للسير في تنفيذ الأعمال المتوقعة التالية:

· الاستمرار في اتخاذ إجراءات مشددة نحو الجماعات "المتطرفة" فلقد أكد عبد الستار عزيز وزير الخارجية الباكستاني أن الباكستان "اتخذت إجراءات مشددة لمكافحة مجموعات الناشطين التي تتهمها الهند بتنفيذ الهجوم العنيف على برلمان نيودلهي" وأضاف ممثلا على ذلك أن الباكستان قد "...جمدت أموال خمس منظمات أصولية متطرفة..."

· البدء في تفعيل لجنة خاصة لمكافحة الإرهاب والتنسيق الميداني والسياسي والأمني بين البلدين للحد من الهجمات العسكرية التي تبدأ من الجانب الباكستاني، وهذا على ما يبدو ما عناه وزير الخارجية الباكستاني بقوله أن الباكستان "...تنتظر الآن إثباتات من الهند قبل البدء بملاحقات ضد المسؤولين المحتملين .. " ولعل هذا الذي أشارت إليه الهند من "...إعداد قائمة بأسماء 30 "إرهابيا ومجرماً" لجأوا إلى باكستان بعد إدعائها ارتكابهم جرائم في الهند...وأشارت التقارير إلى أن نيودلهي ستطلب من إسلام آباد تسليمها هؤلاء الأشخاص...".

· تحويل الأعمال العسكرية إلى داخل الجزء الهندي من كشمير، إذ صرح مسؤول من جماعة عسكر طيبة الكشميرية الانفصالية أنها قررت "...نقل جناحها العسكري من باكستان إلى الجزء الهندي من كشمير بعد دعوات وجهت لإسلام آباد باعتقال قادة الجماعة..." لزيادة الضغط على الرأي العام الهندي.

· إيجاد آلية سياسية لضبط الجيوش في البلدين، وتنسيق كافة الأعمال العسكرية على الحدود وخاصة فيما يخص كشمير على غرار تلك التي تم إنهاؤها بالنسبة لأسلحتهما النووية فلقد صرح الوزير الباكستاني أن البلدين "...سوف يتبادلان وثائق تفصل المنشآت النووية على كلا الجانبين هذا العام بمقتضى معاهدة ثنائية تقتضي منهما القيام بذلك في الأول من يناير من كل عام...". 

هذه في مجملها هي الأعمال التمهيدية التي تريد أمريكا تحقيقها وتضع الآليات لمتابعتها ويتضح ذلك من تصريحات بوش بالدعوة إلى "...تهدئة الوضع بين الهند وباكستان إثر الأزمة المحتدمة بين الجارتين النوويتين اللدودتين بشبه القارة الهندية..." وأنه " .. سعيد بالتنويه أن الرئيس (الباكستاني برويز) مشرف قد أعلن القبض على 50 إرهابيا متشددا". وقال "إنني آمل في أن تأخذ الهند في اعتبارها أن الرئيس (مشرف) يتجاوب بقوة ونشاط لتقديم هؤلاء الذين قد يؤذون آخرين إلى العدالة..." ولقد تجاوبت الحكومة الهندية مع هذه الأعمال مباشرة حيث أكد وزير خارجيتها أنه "إذا ما صدقت الأنباء فإن هذه خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح".

إن على المسلمين أن يعوا أن المخططات الأمريكية للمنطقة تحتاج من وقت لآخر للتصعيد حتى تؤتي ثمارها، وأن هؤلاء الحكام في الباكستان وفلسطين يعملون على إثارة مشاعرهم والتلاعب بعواطفهم لخدمة مصالح أمريكا، وترتيب أوضاع المنطقة مع ما يتماشى ونظرتها للعالم. وحتى يدرك المسلمون خطورة هذه المخططات فإنه يتوجب عليهم الوعي السياسي للأعمال القائمة في بلادهم وأن يدركوا أن الحل لقضية كشمير وقضية فلسطين ليس هو السلام أو الاستقلال، وإنما التحرر من ربقة أنظمة الكفر وذلك عبر العمل الدؤوب والمتواصل لإقامة الخلافة، التي ستجند الجيوش حينذاك لقتال الكفار إعلاء لكلمة الله وتنقذ المسلمين من هذا الحال المؤلم الذي وصلوه

25/شوال/1422هـ

9/1/2002م