الصفحة الرئيسية >> إفريقيا >> الأسئلة والأجوبة >> أين تقع كينيا في معترك السياسة الدولية؟
أين تقع كينيا في معترك السياسة الدولية؟ طباعة أرسل إلى صديق
أفريقيا

 

بسم الله الرحمن الرحيم

جواب سؤال

السؤال:

أين تقع كينيا في معترك السياسة الدولية؟ ومن يقف خلف الرئيس مواي كيباكي؟ وماذا حملت جينداي فرايزر مساعدة وزيرة الخارجية الأميركية للشؤون الإفريقية، ماذا حملت من حلول لطرفي الصراع في كينيا كيباكي وأودينغا؟ وهل للصراع علاقة بمشاريع أميركا في القرن الإفريقي؟
الجواب:

بدأت الأزمة السياسية الكينية عندما اتهمت قوى المعارضة ممثلة في الحركة الديمقراطية البرتقالية بزعامة رئيسها رايلا أودينغا لجنة الانتخابات بالتباطؤ في فرز الأصوات وذلك من أجل التحايل على النتائج وتزويرها لصالح منافسه الرئيس مواي كيباكي، والذي هو أيضاً رئيس الإتحاد الوطني الإفريقي لكينيا الحزب الحاكم منذ "استقلالها" عن بريطانيا عام 1963. وقد أدت اتهامات رايلا أودينغا للجنة المشرفة على الانتخابات بتبييت نية تزوير الانتخابات إلى خروج أنصاره للتظاهر ضد التزوير والمطالبة بإعلان النتائج الحقيقية. فكانت هذه المظاهرات هي بداية المواجهات الدامية بين قوى الأمن وأنصار المعارضة. إلا أن انفجار الأزمة لم يحدث إلا عندما أعلنت لجنة الانتخابات نجاح الرئيس كيباكي بطريقة تعزز صحة مقولة المعارضة، إذ تمت عملية فرز الأصوات وتعدادها بعيدا عن أعين المراقبين الدوليين الذين شاركوا في مختلف مراحل العملية الانتخابية باستثناء مرحلة الفرز.

ومما زاد الأزمة تعقيداً واشتعالاً هو استعجال الرئيس كيباكي في إعلان نفسه رئيساً للبلاد بعد ساعة من
إعلان نتائج الانتخابات، وتبعه بعد ذلك مباشرة تهنئة أميركا له لإضفاء الشرعية عليه. فقد قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية توم كيسى في بيان "نوجه التهنئة إلى الشعب الكيني والمجلس الانتخابي الكيني على التصويت السلمي والمنظم الى حد كبير الذي شهدته كينيا خلال الانتخابات العامة"، وحث أيضا جميع المرشحين في الانتخابات الرئاسية الكينية على قبول النتائج النهائية ودعا مؤيديهم إلى احترام سيادة القانون. ورغم أن الإتحاد الأوروبي كان حاضراً بقوة في المشهد الانتخابي الكيني إلا أن تعاطيه مع التزوير كان ضعيفاً، وإن جاءت من بعض مسؤوليه تصريحات تزيد من صدقية المعارضة وتحرج حكام كينيا أمام الرأي العام الدولي.

وقد لعبت أميركا دوراً كبيراً في تأزيم الوضع السياسي في كينيا من خلال دعمها السريع لكيباكي بولاية
ثانية وضغطها على الإتحاد الإفريقي وأوروبا بعدم التدخل السريع في الصراع الدائر بين السلطة والمعارضة. إلا أن سقوط مئات القتلى بعد نزول الجيش إلى الشوارع لقمع احتجاجات المعارضة، اضطر أميركا إلى التراجع عن الاعتراف بالنتائج، فأوعزت إلى القس دسموند توتو الحاصل على جائزة نوبل في السلام ورئيس لجنة (المصالحة والحقيقة) في جنوب إفريقيا بالذهاب إلى كينيا للوساطة بين أودينغا وكيباكي، وتلته في اليوم التالي يوم 7/1/2008 نائبة وزيرة الخارجية الأميركية المكلفة بالملف الإفريقي جنداي فرايزر للقيام بنفس المهمة. واجتمعت فرايزر بأودينغا وكيباكي في نفس اليوم، لكنها أخفقت في التقريب بين وجهات نظر طرفي الأزمة. وتدفع أميركا الآن بكوفي عنان للقيام بدور جديد من الوساطة بين أودينغا وكيباكي في محاولة منها لتثبيت وضع كيباكي في السلطة.
لقد جاءت هذه التحركات بعد أن أدركت أميركا أن الوضع في كينيا يسير نحو حالة عصيان شعبي يهدد
مسألة الاستقرار الذي تعول عليه أميركا. وبدا لها ذلك بعد أن رفض زعيم المعارضة رايلا أودينغا العرض الذي تقدم به كيباكي بتشكيل حكومة وحدة وطنية. فقد صرح أودينغا في مؤتمر صحفي بنيروبي إن المعارضة غير مهتمة بهذا العرض، لأن كيباكي لا يمتلك أي حق في تقديم أي عروض لأنه خسر الانتخابات، مؤكداً استعداده لـ"تقاسم السلطة" معه إذا ما تم الاعتراف بفوزه في الانتخابات الرئاسية، لكنه اشترط أن يتم ذلك في إطار وساطة دولية لإنهاء الأزمة. وأضاف "أعتقد أن الفائز يجب أن يكون بأي ثمن مرغماً على استقبال الخاسر". وفي مقابلة مع محطة التلفزيون الأميركية "سي أن أن" بثتها الاثنين 14 كانون ثاني/يناير قال أودينغا "أريد أن أقول له لأنه صديقي، لقد خسرت الانتخابات وعليك أن تترك إرثاً لهذا البلد (...)أترك من فضلك الإرث من رجل خسر الانتخابات وقبل التنحي بلباقة". وأضاف أودينغا في هذا السياق "نحن مستعدون لمحاورة (كيباكي)، لكننا لن نتحاور بأي ثمن، سنبحث إذا كان لدينا حل دائم لهذه المشكلة" أم لا.
 
ولا زالت الأزمة في كينيا تراوح مكانها بينما تدفع أميركا باتجاه سيناريو حكومة الوحدة الوطنية الذي
يحافظ على بقاء كيباكي في الحكم ويحفظ للمعارضة ماء الوجه من خلال مشاركة حكومية واسعة مصحوبة بأغلبية برلمانية. ولذلك طالبت جينداي فرايزر مساعدة وزيرة الخارجية الأميركية كلاً من الرئيس كيباكي وزعيم المعارضة رايلا أودينغا بـ"الاعتراف بحصول خروق" في الانتخابات الأخيرة. كما دعت فرايزر الزعيمين في بيان إلى ضرورة إجراء حوار بينهما من دون شروط مسبقة، لبحث كيفية وضع حد للأزمة التي أعقبت الانتخابات. وهذا يدل على أميركا تسعى لحكومة وحدة وطنية ولا تريد إعادة فرز وتعداد الأصوات الانتخابية أو إعادة الانتخابات كلها؛ لأن ذلك سوف يؤدي إلى وصول أودينغا إلى الحكم، وهي تريد أن تمنعه من ذلك بسبب موقفه في البرلمان الكيني ضد قانون "الإرهاب" الذي أراد كيباكي تمريره لمصلحة أميركا.

هذا هو واقع الأزمة الحالية في كينيا، أما موقع هذا البلد في معترك السياسة الدولية وأهميته بالنسبة
لأميركا فيعود إلى موقعه الجغرافي المهم في شرق إفريقيا خاصة بحدوده الشرقية مع الصومال وحدوده الشمالية الغربية مع السودان. ومن هنا تنبع أهمية الاستقرار السياسي والأمني في كينيا بما يؤهلها أن تكون أداة مهمة من أدوات أميركا في مخططاتها المتعلقة بالقرن الإفريقي. فكينيا هي التي استضافت محادثات السلام بين الفرقاء في السودان والصومال منذ العام 2002، وكينيا هي من ساعد أميركا السنة الماضية في دحر قوات المحاكم الشرعية في الصومال. ولذلك ليس غريبا أن تقدم أميركا الدعم المالي والإستراتيجي لكينيا باعتبارها إحدى الدول الأساسية في شرق إفريقيا. فقد تحملت أميركا كل تكاليف تعميق الغاطس التابع لميناء ممباسا الإستراتيجي المطل على المحيط الهندي، وذلك حتى يستطيع أن يستقبل السفن الأميركية العملاقة التي يمكنها أن تراقب تطورات الأوضاع والأحداث ليس في شرق إفريقيا وحدها وإنما أيضا باتجاه الساحل الجنوبي للمنطقة العربية والآسيوية.

أما الذي يدفع حكام كينيا أن يجعلوا منها أداة في يد المخططات الأميركية في القرن الإفريقي، فزيادة على
عمالتهم فإنهم يريدون أن يحصلوا على دعم أميركا لهم في استحواذهم على إقليم النفد الصومالي ومثلث إيلمي السوداني، ورفضهم إعادة هذين الإقليميين. فإقليم النفد يشكل حاليا المقاطعة الشمالية لكينيا، التي ترفض التفريط فيه تماما كما ترفض إثيوبيا التفريط في إقليم الأوغادين الصومالي. فقد حصلت كينيا على هذا الإقليم عندما قامت بريطانيا خلال الفترة من 1941-1950 باقتطاعه من الصومال وضمه إلى مستعمرتها في كينيا. ولهذا السبب نجد أن سياسة كينيا الخارجية، كمثل إثيوبيا، تقوم على الاحتفاظ بما تم اقتطاعه من الصومال سواء من خلال الاتفاق مع أي حكومة ضعيفة في مقديشو أو من خلال إدخال الصومال في دوامة من الفوضى الداخلية. أما بالنسبة لمثلث إيلمي فهو يمثل منطقة غنية بالمعادن على الحدود الكينية السودانية. وقد قامت بريطانيا أيضا، أثناء احتلالها للسودان بضمه إداريا لكينيا، ورفضت إعادته بعد ذلك.

ولهذا نجد أن أميركا قد وجدت ضالتها في كينيا التي فتحت أجواءها وبرها وبحرها للقوات والأساطيل
الأميركية في حربها على الإسلام والمسلمين في شرق إفريقيا وإحكام سيطرتها على أرضهم وثرواتهم بزعم أنها تحارب "الإرهاب". بل إن أميركا ترى في كينيا بوصفها إحدى الدول المحورية إلى جانب مثيلتيها جنوب إفريقيا ونيجيريا. وكينيا مرشحة، حسب بعض المصادر، لاستضافة (أفريكوم)، وهي القيادة العسكرية الأميركية لأفريقيا، التي تعمل الآن من شتوتجارت بألمانيا فيما تسعى واشنطن من أجل إيجاد مقر لها في القارة السمراء. ولهذا السبب فإن أميركا لا تريد أن تنزلق كينيا نحو الفوضى؛ لأن من شأن ذلك أن يصرف اهتمامات السلطات الكينية إلى القضايا الأمنية المحلية بدل القيام بدورها الأميركي في القضايا الأمنية والسياسية الإقليمية والدولية مثل ملفات الصومال والسودان و"محاربة الإرهاب" واستقبال الوفود الدبلوماسية.

17/محرم/1429هـ
25/1/2008م

www.hizbuttahrir.org