الصفحة الرئيسية >> إفريقيا >> التعليقات السياسية >> حول مذكرة التفاهم بين حسن الترابي وجون قرنق
حول مذكرة التفاهم بين حسن الترابي وجون قرنق طباعة أرسل إلى صديق
أفريقيا

 


بسم الله الرحمن الرحيم

جواب سؤال

حول مذكرة التفاهم بين حسن الترابي وجون قرنق

اعتقلت السلطات السودانية بتاريخ 21/2/2001 رئيس حزب المؤتمر الشعبي حسن الترابي، وذلك بعد الإعلان عن توقيع " مذكرة تفاهم" مع رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان جون قرنق ، مبررة الاعتقال " أن مذكرة التفاهم هي إعلان لحـلف سياسي لمحاربة الدولة مع حركة ظلت تقاتل الدولة منذ 18 عاما. وهو ليس اتفاقا سياسيا بين حركتين …هو اتفاق للتآمر والتهديد بالعنف صراحة".
إلا أن توقيع "مذكرة التفاهم" لا يتناقض شكلا ومضمونا مع الدستور السوداني ولا مع العرف السوداني السائد خاصة في وسط الأحزاب والجمعيات الأهلية. هذا ما أكده البيان الصادر عن السفارة السودانية بالقاهرة بتاريخ 25/2/2001 والذي قال : أن الحكومة السودانية "ليست ضد مبدأ اتصال أي حزب أو تفاوض مع الحركة الشعبية إذا كان ذلك يستهدف إقناع الحركة بالجنوح للسلم والتخلي عن الحرب والاستجابة لنداءات السلام المتكررة" .

فإذا كان هذا هو موقف الحكومة من قضية اتصال وتفاوض مع حركة قرنق فلماذا إذن بادرت الحكومة إلى اعتقال الترابي وبالغت في وصفه بالخيانة لدماء الشهداء وتعطيل الجهاد والعمل على زعزعة الأمن والاستقرار وإسقاط الحكومة ؟ وبعبارة أخرى ما هي حقيقة "مذكرة التفاهم" في إطار الجهود الداخلية والإقليمية لحل مشاكل السودان خاصة فيما يتعلق بمسألة الوفاق الوطني بين الأحزاب ومشكلة الجنوب ؟

وللإجابة على ذلك لابد من لفت الانتباه إلى أن السودان خاضع للنفوذ الأمريكي وأن كلا من البشير والترابي وقرنق هم من عملاء أمريكا، وأن خروج الترابي من الحكومة والالتحاق بصف المعارضة ضرورة اقتضتها طبيعة المرحلة الجديدة التي دخل فيها السودان _ في سيره ضمن المخطط الأمريكي لهذا البلد_ وصار يجب على الترابي أن يقوم بنفس الدور لمصلحة أمريكا ولكن من موقع مختلف عن السابق- إذ أن خروج الترابي من الحكومة كان لا بد منه لتسهيل عملية تطبيع علاقات السودان مع دول الجوار والخليج وأوروبا وأمريكا ، كما أن خروج الترابي سرع في عودة المعارضين وعلى رأسهم رئيس حزب الأمة وزعيم حزب الأنصار الصادق المهدي.

ولذلك يمكن القول أن "مذكرة التفاهم" تصب في نفس الجهود التي تسعى إليها لقاءات الحكومة السودانية مع الحركة الشعبية سواء في إطار مبادرة (الإيقاد) أو من خلال المبادرة المصرية الليبية المشتركة. ويظهر ذلك بالنظر إلى أهم البنود التي طالبت المذكرة بها، وهي الاعتراف بالتعددية الدينية والثقافية والعرقية للسودان، والتوصل إلى تسوية تاريخية وحل سلمي شامل لمشاكل السودان، وإنهاء الحرب الأهلية في السودان عن طريق التوصل إلى حل سلمي؛ بتحقيق الحريات السياسية لكل الأحزاب، ورفع حالة الطوارئ ،ودعم المقاومة السلمية. هذه البنود من "مذكرة التفاهم" تلقى إجماعا من قبل كل الأحزاب السودانية. ,إذا استثنينا مسألة المقاومة السلمية ضد النظام، فإن بقية البنود هي من أجندة الحكومة السودانية سواء فيما يتعلق بمسألة الحريات السياسية والعمل السلمي للأحزاب أو ما يتعلق بحل مشكلة الجنوب سلميا في إطار فدرالي على الأقل.

لقد كان اعتقال الترابي أداة من أدوات الامتصاص والتغطية على حقيقة الأهداف التي عملت أمريكا على إنجازها من خلال توقيع عميليها الترابي وقرنق على "مذكرة التفاهم".وقد تم اختيار التوقيت بعناية فائقة، حيث كان الرأي العام السوداني يتابع مسألة تشكيلة الوزارة الجديدة والتي شهدت دخول بعض الأحزاب إضافة للإخوان المسلمين وأنصار السنة.

لقد عملت الوثيقة على إعادة الاعتبار للترابي لدى أحزاب المعارضة في الداخل، ونزع أي شك يساورهم في قدرته وحزبه على المساهمة في تحقيق المصالحة الشاملة في السودان سواء فيما يتعلق "بالوفاق " أو "بالسلام" وهما كلمتان تستخدمان بدل عـبارتي " علمنة الدولة وإعطاء الجنوب حكما ذاتيا " . وقد عبر عن تعاطف الأحزاب مع الترابي، عضو المكتب السياسي للحزب الاتحادي الديموقراطي عبد الرحيم محمد صالح عندما قال "إنه مهما اختلف الناس مع الشيخ الترابي فإنه لا يمكـن إنكار دوره في الحركـة السياسية السودانية … إن جميع القوى السياسية السودانية المعارضة حاورت قرنق. وأن لقاء حزب الترابي معه مؤشر جيد لتضييق شقة الخلاف بين الفرقاء السودانيين …إن تلاقي المؤتمر الشعبي والحركة الشعبية تقدم في الفهم السياسي السوداني وشفافية في التعامل".

إن تقديم الترابي باعتباره من أبرز علماء المسلمين في السودان والمجدد والعالم في الخارج، قصد منه تحقيق أكثر من هدف ، منها إضفاء الصبغة الشرعية على الاتفاق وإعطاء الكافر قرنق شهادة ببراءة الذمة من الحرب التي يخوضها للانفصال عن السودان بدعم من أمريكا ، كما أن من نتائج توقيع المذكرة طمأنة الدول المحيطة بالسودان والرأي العام الأوروبي وكذلك حققت إمكانية إبراز الإسلام بثوب السياسة الواقعية بالمفهوم الغربي ، وتكريس دعوة الغرب بين المسلمين بفصل الدين عن الدولة وكمثال حي على ذلك مسألة ترك الجنوب السوداني يقرر حكم نفسه بنفسه. وقد بادرت أمريكا للمطالبة باحترام حقوق الإنسان والحقوق المدنية للترابي كما طالبت بإطلاق سراحه ، وبالتالي فإنه بدأ السير في أعمال التأهيل للعودة للحياة السياسية في البلاد .

إن المذكرة تمثل فتوى من رأس الحركة الإسلامية -كما يقال - على جواز تقسيم السودان مع وجود كيان خاص بالنصارى في الجنوب ولو على شكل حكم ذاتي. لذلك اعتبرت الأحزاب السودانية المعارضة في الداخل والخارج هذه المذكرة قفزة نوعية إلى الأمام لجهة تكريس المصالحة المفضية إلى الوفاق والسلام بين السودانيين، وكان اعتقال الترابي من العوامل التي زادت من التعاطف معه والتمسك بما جاء في المذكرة .

إن ما قام به الترابي من توقيع لـ "مذكرة التفاهم" مع قرنق يؤكد أنه من العملاء المخلصين لأمريكا سواء أكان في الحكم أو خارجه، كما أن أمريكا لم تتمكن من بسط نفوذها على بلاد المسلمين إلا من خلال هؤلاء وأمثالهم ، لذلك كان لا بد من كشفه وأمثاله للأمة لتعرفهم وتعمل للحيلولة دون استمرارهم كزعامات تنطق باسم الإسلام ، وبالتالي لإفقادهم صلاحيتهم للقيام بالأعمال نيابة عن أمريكا وبهذا يتم تعطيل ومن ثم طرد النفوذ الأمريكي الكافر من بلاد السلمين .

18 /محرم/ 1422هـ

11 /نيسان /2001م

www.hizbuttahrir.org