الصفحة الرئيسية >> إفريقيا >> التحاليل السياسية >> الوضع السياسي في المغرب
الوضع السياسي في المغرب طباعة أرسل إلى صديق
أفريقيا

 


بسم الله الرحمان الرحيم

الوضع السياسي في المغرب 

بدأت التغييرات في المغرب لصالح النفوذ الأمريكي قبل وفاة الحسن الثاني وتسارعت مع تقلد ابنه محمد السادس لمقاليد الحكم بعد وفاة أبيه .
فقد نجحت أمريكا في أواخر عهد الحسن الثاني في إيصال رجالاتها إلى السلطة وذلك عندما تولى عميلها عبد الرحمن اليوسفي رئاسة الحكومة المغربية .
فبعد تولي اليوسفي الوزارة صرح مارتن أنديك مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية للشرق الأوسط وشمال إفريقيا : " إن التغيير الذي وقع في المغرب مشروع رائد ونموذج يحتذى به في المنطقة " وذلك في إشارة إلى وصول ما يسمى بالمعارضة إلى الحكم .
كما وجه الرئيس الأمريكي بيل كلينتون الرسالة التالية لليوسفي إثر نجاح العملية الجراحية التي أجراها وذلك في 25/6/1999م : " إنني معجب منذ أمد بعيد بتفانيكم الكبير في عملكم الذي تقدمونه نحو بلدكم ، ونحن نعلم أن شفاءكم السريع والشامل مهم جدا للجهود التي يقدمها الملك الحسن الثاني ، وأنتم شخصيا لتنمية الديموقراطية والحرية وحقوق الإنسان في المملكة " .

وتجدر الإشارة إلى أن اليوسفي عاد إلى المغرب عام 1980م بعد خمسة عشر عاما قضاها في المنفى في فرنسا ، وأصبح رئيسا لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوى الشعبية 1992 بعد وفاة عبد الرحيم بوعبيد ، وبعد الانتخابات التشريعية سنة 93 رفض الاقتراح الملكي الذي يقضي بالتناوب على رئاسة الحكومة بحجة أن الانتخابات كانت مزورة ، وعاد إلى فرنسا وبقي فيها مدة عام .

وبعد انتخابات 14/11/1997 المليئة بالتزوير والتي علق عليها بأنها محبطة قَبل تولي رئاسة الحكومة وأعلن أنه يجب على القوى الشعبية في المغرب أن تتحد مع العرش .

والواضح أن أمريكا ولمعرفتها بالحالة الصحية للحسن الثاني جاءت بعبد الرحمن اليوسفي لتهيئة الأوضاع في المغرب لضمان انتقال الحكم لولي العهد محمد السادس .

أما وزارة الخارجية المغربية ، فبعد أن تربع على عرشها عبد اللطيف الفيلالي منذ عام 1985 ، أسندت لعميل أمريكا محمد بن عيسى الذي كان يشغل منصب مسؤول الإعلام في البعثة المغربية لدى الأمم المتحدة ، ثم ومنذ عام 1993 شغل منصب سفير المغرب في واشنطن ، وهو يحظى بدعم واسع من البيت الأبيض والكونغرس الأمريكي ، وقد عبرت له هيلاري كلينتون أثناء زيارتها للمغرب عن متانة العلاقة بين أمريكا والمغرب .
بالإضافة لتعيين اليوسفي في منصب الوزير الأول المغربي قام الحسن الثاني بإحداث تغييرات كبيرة في الجيش ، وذلك بإقالة رئيس الأركان وإحداث تغييرات كبيرة في صفوف كبار ضباط الجيش .
هذا في الداخل ، أما بالنسبة لعلاقات المغرب مع دول الجوار فقد شهدت العلاقات المغربية الجزائرية والمغربية التونسية تحسنا كبيرا في أواخر أيام الحسن الثاني ، فبعد تولي عبد العزيز بوتفليقة رئاسة الجمهورية الجزائرية بعث الحسن الثاني له رسالة تهنئة كما أطلق اليوسفي تصريحات تدعو بوتفليقة إلى حل المشاكل العالقة بين البلدين ومنها فتح الحدود وحل مشكلة الصحراء الغربية .
وكان رد بوتفليقة " إن العلاقات مع المغرب يجب أن تكون مبنية على حسن الجوار ، وأما قضية الصحراء فإنها بيد الأمم المتحدة ." .

وهذا يعني أنها بيد أمريكا ، إذ أن المسؤول الأممي عن ملف الصحراء هو وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جيمس بيكر .

أما العلاقة مع تونس فقد توطدت بعد وصول اليوسفي إلى رئاسة الحكومة المغربية ، وكانت أول زيارة يقوم بها اليوسفي إلى الخارج هي زيارته لتونس . كما قام زين العابدين بن علي بزيارة للمغرب في 15/ 3/1999 استقبله خلالها الحسن الثاني بحفاوة مبالغ فيها ، ثم توالت زيارات الوفود البرلمانية والاقتصادية في كلا البلدين .
كما نجحت أمريكا بالضغط على المغرب من خلال مشروع الشراكة الاقتصادية مع دول المغرب العربي الثلاث ( تونس ، الجزائر ، المغرب ) والذي بدأته مع تونس أولا ، ثم وبعد سنتين استطاعت جر كل من الجزائر والمغرب له ، وذلك عندما اجتمع في واشنطن نائب الوزير الأمريكي للشؤون الاقتصادية مع كل من وزيري المالية الجزائري والمغربي ووزير التعاون والاستثمار الأجنبي التونسي وذلك في أواخر شهر نيسان 1999 .
ثم كان اجتماع ممثلي دول اتحاد المغرب العربي في الجزائر بتاريخ 17/5/1999م وهو الاجتماع الأول من نوعه بعد أن طلب المغرب تجميد عمل الاتحاد سنة 1994 إثر اتهامه الجزائر بمساندة جبهة البوليساريو . وهكذا رضخ الحكم في المغرب للإملاءات الأمريكية بالتقارب مع عملاء أمريكا في الجزائر وتونس .
وبعد اعتلاء محمد السادس للعرش في 23/7/1999 م تسارعت خطوات العهد الجديد الدالة على التوجهات الأمريكية للحكم .
ففي الداخل قام الملك الجديد بإجراء تعديلات واسعة شملت الوسط السياسي القديم واستبداله بشخصيات رافقت الملك خلال مسيرته الدراسية وحياته العملية . وذلك بتعيين هؤلاء في مواقع مثل : الناطق الرسمي للقصر الملكي ، رئيس جهاز المحافظة على التراب الوطني ( الاستخبارات الداخلية ) ، مدير وكالة أبناء المغرب العربي ، ... وغيرها من المواقع الرسمية . ثم كان التغيير الأهم والمتمثل بإقالة البصري من وزارة الداخلية والتي تربع على عرشها ربع قرن كامل .
ولم يكن خافيا على أحد من المراقبين للواقع السياسي المغربي أن إدريس البصري هو الوزير الأول الفعلي للبلاد ، خصوصا قبل تولي اليوسفي للوزارة . وقد بدأ نجم البصري بالأفول منذ أن تسلم محمد السادس مقاليد الحكم ، إذ اختفى اللقاء اليومي الروتيني بين الملك ووزير الداخلية ، وأصبح اليوسفي هو صاحب الحظوة بصفته الوزير الأول . ثم تتالت إجراءات تقليص صلاحيات البصري فأعفي من الإشراف على المخابرات الداخلية ، ثم بدأت الأحزاب والصحف المغربية تشن هجوما على البصري ونشرت الصحف صورا لأشخاص مورس عليهم التعذيب ، ولم يعد البصري يجد من يدعمه ويبرر له سلوكه ومواقفه . 
إن إعفاء إدريس البصري يوم 9/11/1999 وتعيين شخصية مغضوب عليها من قبل رجالاته على رأس وزارة الداخلية ، انخرطت في عملية تطهير شاملة ، ليس مجرد تعديل وزاري بل هو إنهاء لنمط من الحكم واستبداله بنمط جديد بدأ بتولي محمد السادس مقاليد الحكم في المغرب .
ومن الإجراءات التي قام بها العهد الجديد لإحداث انفراج سياسي في المغرب ، السماح للمعارض المغربي إبراهيم السرفاتي بدخول البلاد في الوقت الذي كانت وزارة الداخلية ترفض ذلك بشدة . كما سمح لعائلة المهدي بن بركة بالعودة من منفاها في فرنسا إلى المغرب .
أما فيما يتعلق بالقضية المزمنة التي استنزفت المغرب وهي قضية الصحراء المغربية ، فقد شهدت تطورات تدلل على أنها في طريقها إلى الحل بعد أن لم يعد هناك حاجة أمريكية للضغط على المغرب واستنزافه .
فبعد أن كان شهر كانون أول الحالي هو الموعد النهائي لتحديد هوية المجموعات القبلية الثلاث من أجل إجراء استفتاء ترعاه الأمم المتحدة لتحديد مصير الصحراء ، كشف تقرير للأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان والصادر في 28/10/1999 عن تأجيل الاستفتاء لسنوات لاحقة .
أما جبهة البوليساريو فقد بدأت تفقد دعم دول المنطقة فقد صرح الرئيس الليبي معمر القذافي في 21/6/1999 أثناء وجوده في السودان " أنا الذي أنشأ البوليساريو وقام بتدريبه وتسليحه ليحرر االساقية الحمراء ووادي الذهب من الاستعمار الأسباني ، واستغلهم الإمبرياليون والصهاينة لإيجاد مشاكل بين بلدين عربيين الجزائر والمغرب " .
وأضاف مؤكدا : " أننا لم ننشئ البوليساريو ليحدث انشقاقا ويعلن دولة قزمة ، إننا لم نناضل من أجل أن تكون الصحراء الغربية دولة مستقلة " .
وبعد وصول محمد السادس للحكم وفي اللقاء الذي جمع القذافي بمحمد عبد العزيز زعيم البوليساريو على هامش القمة الأفريقية الطارئة وما تبع ذلك من تصريح القذافي في خطاب موجه لزعيم البوليساريو جاء فيه " أنصحك بالعودة إلى بلادك .. فهناك ملك جديد وعليك أن تسارع بالالتحاق ببلادك .. فالبوليساريو الذي خلقناه لمواجه الاستعمار الإسباني انتهت مهمته ولم يعد أمامه ما يفعله " .
أما نظرة العهد الجديد نفسه للمشكلة الصحراوية فقد طرأ عليها تغير يتماشى مع تغير موقف أمريكا من المغرب ، فبعد أن كان الحل الأمني للمشكلة هو المطروح وبعد أن كان ملف الصحراء المغربية تحت إشراف وزارة الداخلية ، طرح الحل الاقتصادي الاجتماعي عبر برنامج تنموي شامل للمناطق الصحراوية ، وسحب ملف الصحراء من وزارة الداخلية واسند التنسيق مع الأمم المتحدة لشخصية من وزارة الخارجية وهو محمد لولشيكي .
والواضح أن مشكلة الصحراء الغربية ستحل ضمن دولة المغرب بعد أن فقدت البوليساريو الدعم الخارجي وتوجه الحكم الجديد للحل الاقتصادي الاجتماعي والذي سيؤدي في حال إجراء استفتاء بعد سنوات إلى التصويت لجانب البقاء ضمن المملكة المغربية .
كل هذه التغييرات على نمط الحكم في المغرب وعلاقاته مع دول الجوار تدلل على سيطرة رجال أمريكا على الحكم وعلى رأسهم محمد السادس نفسه .

23 رمضان 1420
31 كانون الثاني 1999

www.hizbuttahrir.org