ميزة

  • الدولة العميقة في أميركا تحاصر دونالد ترمب 

     بسم الله الرحمن الرحيم


    متابعة سياسية
    الدولة العميقة في أميركا تحاصر دونالد ترمب


    مقدمة
    يبدو أن الدولة العميقة وأصحاب القرار الفعليين في أميركا يسابقون الزمن قبل استلام دونالد ترمب الرئاسة في البيت الأبيض بتاريخ 20 كانون ثاني/يناير 2017. فمن خلال إدارة باراك أوباما تم اتخاذ عدد من القرارات التنفيذية وتثبيت بعض السياسات الدولية ذات العلاقة بالمصالح الأميركية وبرؤيتها لشؤون العالم. ولعل أهم ما يمكن أن نلاحظه في هذا السياق هي القرارات والسياسات ذات العلاقة بملف القضية الفلسطينية والعلاقة مع روسيا والملف السوري.
    فالرئيس المنتخب، دونالد ترمب، هدد أثناء حملته الانتخابية وحتى بعد نجاحه في الوصول إلى الحكم، بانقلاب كامل على سياسات وإنجازات باراك أوباما الداخلية والخارجية، خلال فترة وجيزة من حكمه. فهو يعتزم، بحسب تصريحاته إصدار جملة من القرارات الرئاسية التي قد تغير من السياسة الأميركية في الداخل والخارج.
    فعلى سبيل المثال يسعى دونالد ترمب في السياسة الداخلية للإطاحة بخطة التأمين الصحي المعروفة باسم "أوباما كير"، كما وعد بخفض الضرائب في جميع المجالات وجعلها لا تتجاوز حد 15% كحد أقصى مقارنة بما عليه الحال وهو 35%. وعلى خلاف أسلافه تعهد ترمب ببناء حائط على الحدود مع المكسيك وترحيل 11 مليون مهاجر غير شرعي، وبعد أن طالب بحظر هجرة المسلمين إلى أميركا دعا إلى فحص دقيق لهم قبل دخولهم البلاد.
    أما في السياسة الخارجية فقد صرح ترمب بأنه سيجمد تطبيع العلاقات مع كوبا وسيقوم بتفكيك الاتفاق النووي مع إيران أو على الأقل إعادة هيكلته. كما أعلن عن معارضته للاتفاق المقترح للشراكة عبر المحيط الأطلسي بل إنه طالب بإعادة النظر في مسألة التزام الولايات المتحدة تجاه حلفائها الأوروبيين في الناتو، وهو ما استدعى باراك أوباما أن يقوم بجولة أوروبية لطمأنة حكام أوروبا. بل إن ترمب كرر موقفه من حلف شمال الأطلسي قبل أيام، فوصفه بالمنظمة التي "عفا عليها الزمن"، متهمًا دولًا أعضاء في الحلف بأنها لا تدفع حصتها في إطار عملية الدفاع المشتركة وبالاتكال على الولايات المتحدة.
    وفي الوقت الذي دعا فيه ترمب إلى علاقات أوثق وأقرب مع روسيا دعا إلى إحداث تغييرات أساسية في "اتفاقية نافتا" بين أميركا وكندا والمكسيك، وصرَّح بأنه ينوي الدخول في حرب تجارية مع الصين عبر فرض عقوبات اقتصادية عليها وفرض رسوم جمركية بنسبة 45% على السلع الواردة منها.
    ولعل كل هذه التغييرات التي وعد بها ترمب على مستوى السياسة الداخلية والخارجية مع تسلمه للحكم في أميركا هي التي دفعت عددًا كبيرًا من الدبلوماسيين الأميركيين المتقاعدين إلى التشكيك في قدرات الرجل على حكم بلد بحجم أميركا.
    وذكروا في بيان لهم بتاريخ 2016/9/22 أن دونالد ترمب "غير مؤهل على الإطلاق ليعمل كرئيس وقائد عام (للقوات المسلحة الأميركية)، وهو جاهل بالتحديات المعقدة التي تواجه بلادنا من روسيا إلى الصين إلى داعش إلى (الحد من) الانتشار النووي إلى اللاجئين إلى (الحرب على) المخدرات، ولأنه لم يبد أي اهتمام بالتعلم".
    وذكر الدبلوماسيون المتقاعدون أن ترمب "أدلى بأكثر التصريحات جهلًا ونمطية" عند حديثه عن بعض البلدان؛ الأمر الذي أدى إلى "إغضاب شعوبها، وأساء إلى حلفائنا، وأسرَّ أعداءنا". وهم يشيرون بذلك إلى ما سبق أن صرح به ترمب من أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين "أكفأ وأفضل" من الرئيس باراك أوباما، وإلى تصريحاته العنصرية ضد المسلمين.
    وبناءً على ما تقدم وبتتبع الملفات التي اتخذت فيها حكومة باراك أوباما جملة من الإجراءات نجد أن هناك محاصرة مبكرة من الحكام الفعليين في الولايات المتحدة الأميركية للوقاية من وعود ترمب الانتخابية، وتوعداته بعيد نجاحه بتنفيذ ما سبق أن وعد به؛ لأن من شأن ذلك لو حصل أن ينحرف ببوصلة السياسة الأميركية في اتجاه لا يخدم حقيقة المصالح الأميركية كما يراها الحكام الفعليون في أميركا.
    ولذلك جاءت هذه القرارات والإجراءات لتطويق ترمب بأجندة مسبقة يصعب عليه الخروج عنها بعد توليه الحكم.
    ومن تلك القرارات والإجراءات المهمة التي سارت فيها إدارة أوباما مؤخرًا قبل أن يتم تسليم الحكم إلى دونالد ترمب ما يتعلق بالقضية الفلسطينية والذي يمكن بيانه بما يأتي:
    1-/ قرار اليونسكو
    أصدرت منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (يونسكو) بتاريخ 13 تشرين أول/أكتوبر 2016 قرارًا يعتبر المسجد الأقصى في مدينة القدس تراثًا إسلاميًّا خالصًا، وينفي القرار أي ارتباط تاريخي لليهود بالمسجد الأقصى المبارك، وطالب القرار إسرائيل بالكف عن انتهاكاتها المتواصلة بحق الأقصى، وضرورة إعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل الاحتلال.
    جاء هذا القرار استباقًا لما يمكن أن يصدر من قرارات تنفيذية عن دونالد ترمب بعد تسلمه رئاسة الدولة في أميركا. فقد سبق للمرشح الجمهوري في الانتخابات الرئاسية أن تعهد بالاعتراف بمدينة القدس عاصمة موحدة لإسرائيل. وكان ذلك خلال اجتماعه يوم 2016/9/25 مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قائلًا: إن "القدس عاصمة أبدية للشعب اليهودي منذ 3000 عام".
    وبما أن تعهد ترمب هذا مخالف للسياسة المعتمدة من قبل أميركا، فإن صناع القرار الفعليين في أميركا قد أوجدوا من خلال قرار اليونسكو مخرجًا لترمب للتملص من هذا التعهد أو لنقل أنه يراد منع ترمب من السير في هذا الأمر. صحيح أن ترمب قد تعهد بنسبة القدس إلى اليهود أثناء حملته الانتخابية من أجل الحصول على أموال وأصوات يهود أميركا، لكن ما يجعل الأمر جديًّا أكثر هو أن مستشارة كبيرة لدى دونالد ترمب، وتدعى كالي آن كونوي، صرَّحت لإذاعة أميركية يوم 2016/12/12 أن ترمب مصمم على نقل سفارة الولايات المتحدة في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس بعد تسلمه مهام منصبه في الـ 20 من كانون ثاني/يناير، وأن موضوع نقل السفارة الأميركية إلى القدس يقع على رأس سلم أولويات الرئيس المنتخب ترمب.
    إن قرار منظمة اليونسكو غير ملزم لإسرائيل بأي شيء؛ لأن كل قرارات هذه المنظمة لا تعتبر إجبارية التنفيذ؛ فهي لا تخضع للمادة السابعة أو التاسعة من قوانين هيئة الأمم المتحدة. ورغم أنه لن تكون له تداعيات عملية بالنسبة للمسجد الأقصى؛ لكنه سيبقى عائقًا سياسيًّا وقانونيًّا أمام إدارة ترمب في نقل سفارة أميركا إلى القدس، كما أنه سوف يبقى سيفًا مسلطًا على رقبة إسرائيل في المحافل الدولية وبخاصة لو "قررت" منظمة التحرير الفلسطينية رفع قضايا دولية ضد عمليات التهويد المستمرة التي تقوم بها إسرائيل في الحرم القدسي.
    فحكام إسرائيل كثيرًا ما ينسوا أو يتناسوا أن دولتهم هي مجرد قاعدة عسكرية أميركية ورأس حربة متقدمة للحضارة الغربية في قلب العالم الإسلامي، ولذلك تأتي أميركا ممثلة في حكامها الحقيقيين، ومن أجل حماية مصالحها الحيوية، لتذكرهم من حين لآخر بحجمهم الحقيقي وبدورهم الوظيفي في خدمة الاستعمار الغربي. كما أن وضع المسجد الأقصى ما يزال ضمن مشروع التدويل، وإن قل الحديث في هذا الموضوع، لكن أميركا تريد أن يبقى وضع القدس مفتوحًا وقابلًا لكل المشاريع الدولية.

    2-/ القرار 2334
    تبنّى مجلس الأمن الدولي يوم 2016/12/23 مشروع قرار رقم 2334 يدين "الاستيطان الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967"، وتقدمت بهذا القرار كلٌ من فنزويلا والسنغال ونيوزيلندا وماليزيا، بدلًا من مصر التي سحبت تداوله في وقت سابق. وقد صوت لمصلحة القرار 14 دولة، وامتنعت الولايات المتحدة عن التصويت دون أن تلجأ إلى استخدام حق النقض (الفيتو).
    إن هذا القرار الذي تبناه مجلس الأمن ليس له تأثيرات فورية على إسرائيل؛ لأنه لم يأت تحت البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ولأنه أيضًا لا يشمل وسائل التطبيق أو العقوبات على الأطراف التي لا تطبقه. فالقرار تمت المصادقة عليه تحت البند السادس من ميثاق الأمم المتحدة، ومن هنا فهو مجرد إعلان توصية وغير ملزم. ومع ذلك فقد انتقد دونالد ترمب، هذا القرار قائلًا: "لا يمكننا أن نسمح بمعاملة إسرائيل بمثل هذا الازدراء وعدم الاحترام"، وخاطب حكام إسرائيل قائلًا: "ابق قوية إسرائيل....فـ20 يناير يقترب بسرعة".
    لقد ذهب ترمب أكثر من ذلك في تعليقه على قرار مجلس الأمن 2334 بأن توعد الأمم المتحدة بعد إدانة مجلس الأمن الدولي "الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة"، توعدها ترمب قائلًا على "تويتر": "بالنسبة إلى الأمم المتحدة، ستكون الأمور مختلفة بعد 20 يناير". وأضاف في تغريدة أخرى: "اعتادوا أن يكون لهم صديق عظيم في الولايات المتحدة، لكن ليس بعد الآن"، كما شكك ترمب في جدوى الدور الذي تقوم به الأمم المتحدة في العالم، وقال متهكمًا إنها تحولت إلى مجرد "مجموعة من الأشخاص يلتقون ويتحدثون ويقضون أوقاتًا ممتعة".
    ومع كل هذه التغريدات سبق لترمب أن دعا إدارة باراك أوباما إلى استخدام الفيتو ضد مشروع القرار عندما قدمته مصر أول مرة، بل إنه اتصل هاتفيًّا بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وطلب منه سحب مشروع القرار قبل أن تعيد الدول الأربع الأخرى طرحه للتصويت في مجلس الأمن بدفع من إدارة أوباما التي اتهمها بنيامين نتنياهو بالوقوف وراء قرار مجلس الأمن الدولي. فقد قال نتنياهو خلال كلمة ألقاها في افتتاح الجلسة الأسبوعية لحكومة الاحتلال الإسرائيلي، الأحد 2016/12/25: "لا شك لدينا بأن إدارة أوباما قد بادرت إلى تمرير هذا القرار ووقفت وراءه ونسقت صيغه وطالبت بتمريره".
    إن التصويت على القرار 2334 المتعلق بإدانة "الاستيطان في الأراضي الفلسطينية" بأغلبية مطلقة، وبامتناع الولايات المتحدة الأميركية عن التصويت، هي سابقة لم تحصل طوال فترة الثماني سنوات الماضية التي حكم فيها الرئيس باراك أوباما البيت الأبيض. وما كان لهذا القرار أن يمر بهذه السهولة وبهذا الإجماع الدولي لولا أن إدارة أوباما كانت تقف وراءه من أجل تحقيق جملة من الأهداف لعل أهمها:

    أولًا: محاصرة ترمب
    فقد أعلن ترمب أثناء حملته الانتخابية عن عدم ممانعته للاستيطان في الأراضي الفلسطينية، وعن نيته نقل السفارة الأميركية من تل الربيع (تل أبيب) إلى القدس التي اعتبرها بأنها يجب أن تكون موحدة كعاصمة لدولة إسرائيل. وهذان الأمران مخالفان للسياسة المعتمدة من قبل الولايات المتحدة بغض النظر عمن يسكن البيت الأبيض. وتخشى الدولة العميقة الحاكمة في أميركا أنه لو أقدم دونالد ترمب على تشجيع "الاستيطان اليهودي" ونقل السفارة الأميركية إلى القدس أن يؤدي ذلك إلى الإضرار بالمصالح الكبرى للولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
    ورغم أن إدارة الرئيس المنتخب دونالد ترمب قادرة على إلغاء هذا القرار نظريًّا بعد تسلمها الحكم لكن السير في هذا الأمر من الناحية العملية أمر صعب جدًا. فحتى ينجح ترمب في إلغاء هذا القرار يجب عليه أولًا أن يصادق على قرار معاكس يقضي بأن المستوطنات قانونية وأنها ليست عقبة في طريق السلام. ولكن حتى يصل إلى هذه الخطوة فإن ترمب يحتاج إلى تأييد ثمانية من أعضاء مجلس الأمن إضافة إلى الولايات المتحدة، كما يحتاج إلى ضمان أن كلًا من روسيا والصين وبريطانيا وفرنسا لن تستخدم الفيتو؛ وهذا طبعًا أمر ضعيف الاحتمال في وقوعه.

    ثانيًّا: استئناف المفاوضات
    صحيح أن القرار 2334 غير ملزم لإسرائيل لكنه يشكل دافعًا نحو المفاوضات من أجل تلافي تبعاته على المستوى الدولي، ومن ثم فهو قد يفتح الباب مجددًا أمام المفاوضات في ظل إدارة أميركية جديدة، وبخاصة إذا ما تم ربط هذا القرار بخطاب وزير الخارجية الأميركي جون كيري الذي سوف نتعرض له لاحقًا. فهذا القرار لا يعني أن القضية قد حُلَت، وإنما هو ذريعة من أجل المفاوضات ومن أجل دفع عملية السلام الأميركية بغرض الوصول إلى حل الدولتين؛ وبخاصة دولة فلسطينية على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
    لقد جاء هذا القرار بصراحة كما أكد ذلك أيضًا خطاب جون كيري؛ ليبرئ عمليًّا ساحة الفلسطينيين أمام الرأي العام الدولي من أية مسؤولية عن تعثر مسار المفاوضات. وبنفس القدر الذي أرادته أميركا مكسبًا سياسيًّا للفلسطينيين، فإن هذا القرار الدولي ضربة معنوية لإسرائيل التي تفضل الاستفراد بالفلسطينيين على خلاف أجندة أميركا التي تريد أن تجعل من قضية فلسطين وقضية إسرائيل نفسها قضية دولية ولكن وفق المصالح الأميركية. فأميركا هي التي تقف وراء امتناع السلطة الفلسطينية عن المفاوضات المباشرة مع يهود بانتظار فرض إملاءات على إسرائيل من المجتمع الدولي.

    ثالثًا: تحجيم إسرائيل
    جاء هذا القرار كرسالة سياسية من حكام أميركا الفعليين بأن المستوطنات تحظى بالرفض الدولي وهي سوف تعزل إسرائيل في المحافل الدولية، وأنه لا يكفي أن ينتقد الرئيس ترمب هذا القرار حتى تلقى إسرائيل قبولًا دوليًّا في سياسة الاستيطان؛ لأنها سياسة ضد المصالح الأميركية، فهي تقضي على حل الدولتين وعملية السلام نفسها، كما سنرى ذلك لاحقًا مع خطاب وزير الخارجية الأميركي جون كيري.
    إن أكثر ما تخشاه إسرائيل أن تصبح في عزلة دولية وبخاصة من قبل أميركا وأوروبا اللتين تمثلان الحبل السُري لبقائها على قيد الحياة بعد أن انقطع عنها "حبل الله". فالعزلة الدولية لإسرائيل سوف تزيد من إمكانيات تقديم شكاوى ضد إسرائيليين على المستوى السياسي والعسكري في المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، كما أنها سوف تعزز من قوة حركة المقاطعة الدولية لإسرائيل وحركة نزع الشرعية عنها سياسيًّا واقتصاديًّا وقانونيًّا.
    وهذا ما يفسر الهجوم الشديد الذي شنته إسرائيل على مؤتمر باريس الدولي للسلام يوم 2017/1/15. فقد صرح وزير الأمن الإسرائيلي، أفغيدور ليبرمان، يوم 201612/26 أن مؤتمر باريس "مؤامرة ضد إسرائيل". أما رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو فقد صرح يوم المؤتمر، أن مؤتمر باريس عبثي ويهدف إلى فرض شروط على إسرائيل، وهو أحد سمات مرحلة قد انقضت.

    3-/ خطاب جون كيري:
    في مؤتمر صحافي عقده مساء يوم الأربعاء 2016/12/28 في مقر وزارة الخارجية بواشنطن، تحدث وزير الخارجية الأميركي وبشكل صريح عن المصالح الأميركية في علاقتها بإسرائيل من خلال عرض "رؤية شاملة" لعملية السلام المتعثرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وبدأ كيري كلامه بالقول: "خلال ولايتيْ إدارة باراك أوباما، التزمت الإدارة الأميركية بأمن إسرائيل، ونحن دائمًا ندافع عن حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، حتى أن نصف المساعدات الخارجية الأميركية قدمناها لإسرائيل، ولكن في الوقت نفسه أود التأكيد أن علينا الدفاع عن مصالح الولايات المتحدة، وجميع الإدارات الأميركية، ديمقراطية وجمهورية عارضت الاستيطان في الأراضي المحتلة".
    وأكد كيري لحكام إسرائيل أن دولتهم التي يستمر وجودها بسبب الدعم الأميركي لها لا يجب عليها أن تعرّض المصالح الأميركية في المنطقة للخطر، قائلًا: أن "حل الدولتين هو الطريق الوحيد لمستقبل إسرائيل كدولة ديمقراطية"، محذرًا من أن "حل الدولتين بات الآن في خطر لغياب الحوار، وأصبح الآن على المحك بسبب العنف والتحريض والاحتلال والاستيطان. بعضهم يعتقد أن صداقتنا مع دول تعني القبول بكل السياسات حتى لو كانت تعارض سياستنا. أخفق الإسرائيليون في الاعتقاد أننا لن نقف في وجه القضاء على حل الدولتين".
    ثم دافع كيري عن القرار 2334 الذي أدان فيه مجلس الأمن "الاستيطان الإسرائيلي" بالقول: "ما قمنا به في مجلس الأمن يتماهى مع قيمنا، ولحماية أمن إسرائيل"، مشيرًا إلى أن "قرار مجلس الأمن الدولي الأخير يؤكد عدم مشروعية المستوطنات وهذا أمر ليس جديدًا، وبخاصة التأكيد على أن القدس الشرقية أرض احتلتها إسرائيل في عام 1967".
    وتابع كيري قائلًا: "إن وتيرة الاستيطان الإسرائيلي زادت بشكل كبير في الأراضي الفلسطينية المحتلة حتى قرب الحدود الأردنية، وهذا يبعث رسالة سيئة للفلسطينيين، لافتًا إلى أن "بعض المستوطنات قد تبقى مع إسرائيل في إطار اتفاق تبادل الأراضي مع الفلسطينيين"، مضيفًا أن "رئيس الوزراء الإسرائيلي يدعم على الملأ حل الدولتين، لكن حكومته المتشددة والتزامها بالاستيطان يقوض ذلك".
    وبعد أن ربط جون كيري بين وجود "المستوطنات" واستحالة قيام "دولة فلسطينية" بالقول أن "هناك مستوطنات إسرائيلية غير شرعية حتى وفق القانون الإسرائيلي، وهناك مئات المستوطنات غيرها وهو ما يجعل إقامة دولة فلسطينية أمرًا صعبًا"، توجه برسالة إلى حكام إسرائيل مفادها أن قضية التطبيع مع الدول العربية لن تحصل ما لم يتم إقامة دولة فلسطينية أولًا.
    فقد أكد كيري بصريح العبارة أن "من يفكر بالسلام بجدية عليه أن يفكر بخطورة المستوطنات"، مضيفًا أن "الدول العربية لن تطبّع العلاقات مع إسرائيل إن لم تحلّ مشكلتها مع الفلسطينيين". وهذه رسالة واضحة أيضًا إلى حكام العرب بأنه يجب عليهم إيقاف الهرولة نحو التطبيع مع إسرائيل؛ لأن ذلك لا يخدم المصالح الأميركية في هذه المرحلة.
    وبعد كل هذه الخطوط الحمر التي وضعها جون كيري في وجه إسرائيل فيما يتعلق برؤية أميركا لمشكلة الاستيطان والقدس وحل الدولتين وعملية السلام، ختم كلامه بالقول: أن "تحديد سياسات المستوطنات والقدس وحل الدولتين يعود لإدارة ترمب".
    والحقيقة أن هذا الكلام كما هو موجه لإسرائيل فهو موجه إلى إدارة ترمب القادمة التي يجب أن تضع في اعتبارها المصالح العليا لأميركا قبل إرضاء إسرائيل أو أي طرف ثان في المنطقة. فما يجب أن يفهمه دونالد ترمب هو أن قضية فلسطين وقضية إسرائيل هما من القضايا الكبرى التي تستعملها أميركا في المنطقة من أجل تركيز النفوذ وإحكام سيطرتها على أهل المنطقة وثرواتهم.
    ورغم ادعاء جون كيري بأن تحديد هذه السياسات يعود إلى إدارة ترمب لكنه عمليًّا قدم رؤية شاملة للمفاوضات القادمة بين الإسرائيليين والفلسطينيين تقوم على ستة "مبادئ" هي: أولًا، "الاعتراف بحدود دولية أساسها خطوط عام 1967 المحددة في قرار مجلس الأمن رقم 242". ثانيًّا: "تنفيذ رؤى الأمانة العامة للأمم المتحدة المتمثلة في القرار 181 من وجود دولتين بشعبين، إحداهما عربية والأخرى إسرائيلية، وباعتراف متبادل وبحقوق كاملة متساوية لكل مواطنيهما". ثالثًا: "تقديم حل عادل، مقبول وواقعي لأزمة اللاجئين الفلسطينيين". رابعًا: أن تكون القدس "عاصمة معترف بها لكلا الدولتين"، مع ضمان حرية الوصول إلى المواقع المقدسة بما يوافق حالة الوضع الراهن. خامسًا: "الإيفاء بمتطلبات أمن إسرائيل، ووضع حد نهائي للاحتلال" الذي تمارسه القوات الإسرائيلية للأراضي الفلسطينية منذ عام 1967، وأن تضمن المفاوضات لإسرائيل "الدفاع عن نفسها بشكل فعال"، وتمكن "فلسطين من تقديم الأمن لشعبها في دولة ذات سيادة منزوعة السلاح". سادسًا: "إنهاء النزاع حول جميع القضايا العالقة بما يسمح لتطبيع العلاقات وتعزيز الأمن الإقليمي للجميع كما حددته المبادرة العربية للسلام".
    وتناغمًا مع توجيهات جون كيري صرَّح محمود عباس، مباشرة بعد الخطاب أن القيادة الفلسطينية على استعداد لاستئناف مفاوضات السلام مع إسرائيل، في حال وافقت على وقف الاستيطان وتنفيذ الاتفاقيات الموقعة؛ جاء ذلك في بيان صحفي تلاه أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، صائب عريقات، أمام وسائل الإعلام في مقر الرئاسة الفلسطينية في رام الله، بالضفة الغربية.
    وأضاف عريقات أن "الرئيس عباس استمع باهتمام بالغ لخطاب وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، مؤكدًا التزامه بالسلام العادل كخيار استراتيجي"، وتابع عريقات نقلًا عن عباس، أنه "في حال وافقت الحكومة الإسرائيلية على وقف الأنشطة الاستيطانية بما يشمل القدس الشرقية، وتنفيذ الاتفاقات الموقعة بشكل متبادل، فإن القيادة الفلسطينية على استعداد لاستئناف مفاوضات الوضع النهائي معها".

    4-/ عملية السلام:
    لقد جاء توقيت قرار مجلس الأمن الدولي وخطاب كيري استباقًا للتوجهات الضبابية لإدارة ترمب إزاء عملية السلام وإعلان هذه الإدارة عن نواياها بإدخال تغييرات جوهرية على استراتيجية أميركا في الشرق الأوسط. ولذلك جاء كل من خطاب كيري والقرار الدولي (2334) تحذيرًا من "الإستبليشمنت" الأميركية (الدولة العميقة) إلى إدارة ترمب بعدم الانجرار وراء إسرائيل التي تريد القضاء على حل الدولتين وضم كامل الضفة الغربية إليها.
    فقد صوت الكنيست الإسرائيلي مؤخرًا على اقتراع تمهيدي، لصالح مشروع يريد إضفاء "الشرعية" على نحو 4 آلاف منزل استيطاني، شيد فوق أملاك فلسطينية في الضفة الغربية المحتلة. وقد علق وزير التعليم الإسرائيلي، نفتالي بينيت، بالقول أن الاقتراع التمهيدي يمثل "خطوة أولى نحو السيادة الإسرائيلية في يهودا والسامرة".
    وهنا استعانت أميركا بمجلس الأمن وما يسمى بـ"الشرعية الدولية" كأحد أدواتها الدبلوماسية في محاصرة إسرائيل وفي حل قضية فلسطين، وبخاصة بعد أن قام دونالد ترمب بتعيين دايفيد فريدمان، سفيرًا للولايات المتحدة الأميركية، وهو المؤيد لسياسة الاستيطان والمعارض لحل الدولتين.
    وفي هذا السياق يأتي مؤتمر باريس الدولي للسلام، الذي عقد يوم 2017/1/15، والذي مهدت له أميركا بالقرار 2334 وبخطاب كيري، بغاية وضع إطار تفاوضي بين اليهود والفلسطينيين ضمن شروط محددة وخريطة طريق واضحة لعملية سلام مستقبلية في ظل إدارة ترمب القادمة.
    صحيح أن أميركا لا تبدو عليها الجدية في الدفع بعملية السلام، وهذا بات واضحًا منذ فترة طويلة وبخاصة خلال فترة حكم باراك أوباما لكن ذلك لا يعني أنها سوف تعرّض نفوذها ومصالحها للخطر بسبب التعنت الإسرائيلي. وصحيح أيضًا أن أولوية أميركا في المنطقة هو تركيز نفوذها ونهب الثروات ومحاولة صياغة المنطقة وأهلها على مقتضى أهدافها في الاستعمار، وبخاصة تغيير الأفكار والمشاعر لتكون مبنية على قاعدة فصل الحياة والسياسة عن الإسلام، لكنها أيضًا تستعمل القضية الفلسطينة كأحد أهم أدواتها في تحقيق ذلك.
    والدليل على ذلك أن القضية الفلسطينية لا تنقصها القرارات الدولية، حتى تتعلل أميركا بمسألة الاستيطان كعائق أمام المفاوضات واستئناف عملية السلام. ولكن الحقيقة أن القرارات الدولية الأخيرة سواء فيما يتعلق بقرار منظمة اليونسكو أو بالقرار 2334 أو بخطاب كيري وما سوف يتبعه من مخرجات في مؤتمر باريس ليست بمعزل عن معالجة النفوذ الأميركي في المنطقة وتنفيذ رؤيتها لمشروع "الشرق الأوسط الكبير".
    وبناءً عليه فإنه يجب أن يكون واضحًا، حتى يستقيم الفهم السياسي وتحسن متابعة الأحداث الجارية، أن أميركا لا تضطر للدفع بعملية السلام في قضية فلسطين إلا من أجل تركيز نفوذها وصياغة المنطقة حسب مخططاتها وليس العكس كما يتوهم كثير من الناس بسبب ما تروج له أميركا ذاتها. فأميركا توهم العالم بأن هناك عملية سلام تسير بين إسرائيل والفلسطينيين مع أن هذه العملية غير موجودة بشكل متواصل أو حتى مستقل إلا بالقدر الذي يخدم تركيز النفوذ وصياغة المنطقة وأهلها عندها. فقد سرَّبت ويكيليكس مؤخرًا رسالة للمرشحة الرئاسية السابقة هيلاري كلينتون بتاريخ 2015/3/23 إلى الرئيس باراك أوباما تقول فيها: "إن عملية سلام وهمية أفضل من عدمها".
    لقد أوهمت أميركا العالم والمسلمين خصوصًا بأن قضية فلسطين وعملية السلام هي في أعلى سُلَّم مركز اهتمامها في سياستها الخارجية للشرق الأوسط، وذلك من أجل تشتيت انتباه المسلمين عن قضيتهم المركزية بإقامة دولتهم على أساس الإسلام وصرف جهودهم عن العدو الأول الذي يقف وراء كيان يهود في المنطقة؛ أي أميركا ذاتها.
    ويبدو أن كثيرًا من المسلمين بمن في ذلك من يتصدرون للسياسة تحت راية الإسلام قد ابتلعوا هذا الطعم وصاروا يفهمون الأحداث ويخاطبون الأمة بمقتضى هذا التضليل الأميركي. والحقيقة أن أميركا تتخذ من قضية فلسطين ومن قضية إسرائيل أداة لتركيز نفوذها واستعمارها ووسيلة من أجل إعادة صياغة دول المنطقة وشعوبها بما يرسخ من استفرادها برعاية شؤون العالم وتفردها بالموقف الدولي.

    18 ربيع الآخر 1438هـ
    2017/1/17 م

     

  • حقيقة الجدل القائم حول مسألة العائدين إلى تونس من بؤر التوتّر 

    بسم الله الرحمن الرحيم

    حقيقة الجدل القائم حول مسألة العائدين إلى تونس من بؤر التوتّر

        مازالت تداعيات تصريح رئيس الدولة الباجي قايد السبسي مستمرّة الى اليوم، وذلك حين أعلن من العاصمة البلجيكية بروكسال عن استعداد تونس لاستقبال المقاتلين من بؤر التوتّر، خلال زيارة رسمية لها يوم 30 نوفمبرالفارط.

          وقد أثار هذا التصريح عددا من التساؤلات حينها لدى المتابعين وداخل الأوساط السياسية خاصة، من حيث التوقيت والغايات، وخاصة أنّ الزيارة جاءت في إطار البحث عن سبل دعم الإقتصاد التونسي.

    وقد تراوحت مواقف هؤلاء تجاه العائدين من بؤر القتال بين مؤيد لعودتهم ومحاكمتهم وفق قانون الارهاب، وبين مطالب بسحب الجنسية منهم وتغيير الفصل 25 من الدستور. وذهب طرف ثالث يسانده فيه مجموعة من الخبراء الأمنيين والسياسيين الى ضرورة عزلهم عن المجتمع ووضعهم في معتقلات خاصة في مناطق نائية تحت إشراف القيادة العسكرية والأمنية بمساعدة أطباء نفسيين كما ظهر ذلك من خلال مواقفهم في برنامج "لمن يجرؤ" على قناة الحوار التونسي ليوم الأحد 18 ديسمبر 2016 .

    والمتأمّل في حقيقة هذه الآراء يرى أنها دعوات من أجل فتح معتقلات على غرار معتقل غوانتانامو بكوبا الذي يخضع للقيادة العسكرية الأمريكية.

    ونّ هذه الدعوات المتزامنة مع تصريح رئيس الدولة الباجي قايد السبسي في هذا التوقيت بالذات تهدف الى أمرين :

    -         فتح الطريق سالكا أمام ايجاد موطئ قدم رسمي لجيوش أميركا بعد تواجدهم الفعلي في كامل منطقة المثلث الحدودي بين تونس وليبيا والجزائر، ولقيادتها العسكرية " أفريكوم".

    -         دفع هؤلاء العائدين الى إعادة الإنتشار في المنطقة خوفا من سجنهم وعزلهم في هذه المعتقلات، وهو ما يخدم مشروع الفوضى الخلّاقة الذي تعمل عليه أميركا في بلاد المسلمين، وخاصة مع وجود بعض التسريبات عن وجود موجة ثانية من الربيع العربي قد تطال الجزائر وموريتانيا والمغرب.

        أما بالنسبة لمشروع تركيز القيادة الأمريكية "أفريكوم" في المنطقة فما زال يعرف تعثّرا رغم الخطوات الكبيرة التي تمّت باتجاه ذلك كتواجد قوات من المارينز وانطلاق الطائرات بدون طيار للقيام بعمليّات قتالية في مالي وليبيا، وكذلك الإتفاقيات المبرمة بين تونس وأميركا كمذكّرات التفاهم والحوار الاستراتيجي معها.

    ورغم الزيارات المتكررة من المسؤولين الأمريكان بخصوص هذا الأمر، لكنّ إنشاء مثل هذه القاعدة ظلّ مرفوضا من الشعب ولا يحظى بالدعم أو بالموافقة، وخاصة مع السمعة السيئة للأمريكان عند الناس من جرّاء تلطخ أيديها بدماء المسلمين في كلّ مكان.

    فمنذ 2011 وأميركا مصرّة على نقل قيادتها العسكرية أفريكوم من المدينة الألمانية شتوقهارد الى الجنوب التونسي المتاخم للمثلث الحدودي تونس- ليبيا- الجزائر، وقد توالت لقاءات القادة العسكريين الأمريكان مع المسؤولين في السلطة في البلاد بخصوص هذا.

    وكانت الذريعة لإقناع الرأي العام بالحاجة لوجود هذه القاعدة هي محاربة الإرهاب وتقديم الدعم المادي واللوجستي للدولة التونسية، ويذكر أنّ أوّل شرارات انفجار الألغام وقتل الجنود في جبل الشعانبي جاءت متزامنة حينها مع زيارة قائد الجيوش الأمريكية الجنرال كارتر هام لتونس وتصريحه الشهير " تونس تتعرض لتهديد حقيقي " وذلك في 27 مارس 2013 , ثمّ مرّة أخرى ترتفع وتيرة العمليات المسلّحة بعد زيارة ثانية لقائد القوات الأمريكية الجنرال دافيد رودريغيز لرئيس الحكومة السابق علي لعريض بحضور وزير الدفاع رشيد الصباغ وسفير أميركا حينها جاكوب والاس وذلك في 11 نوفمبر 2013، وبعدها بأيّام قليلة بدأت تتسرّب المعلومات عن تواجد فعلي لعدد من القادة العسكريين الأمريكان بمنطقة الجنوب التونسي، وبدأت الطائرات بدون طيار الأمريكية تنطلق من قواعد لها داخل التراب التونسي للقيام بعمليات قتالية داخل مالي وليبيا، وهو الأمر الذي حاولت السلطة إخفاءه والتستّر عليه طوال المرحلة الفائتة، لكنّ هذا الأمر خرج في عدد من وسائل الإعلام المحلية والأجنبية، منها ما أوردته صحيفة الشروق الجزائرية ليوم 30 ديسمبر 2013 عندما كشفت عن تواجد كثيف لضباط الاستخبارات الأمريكية وجنود الأفريكوم على الأراضي التونسية متمركزين على أربعة مواقع بين بن قردان ومدنين وجرجيس، وهو الأمر الذي أقرّ به أخيرا رئيس الدولة الباجي قايد السبسي عندما اعترف بوجود 150 جندي من المارينز الأمريكان بالجنوب التونسي.

        تحتاج اليوم هذه القوات الأمريكية إلى اعتراف رسمي من السلطة، والى قبول واسع لدى الرأي العام الداخلي وخاصة مع حجم التطورات المقبلة وآثارها في الربيع العربي، فهذه  المعتقلات التي تتسع لآلاف "الإرهابيين" و"حاملي الفكر المتشدد" والتي يدعون اليها  تحتاج الى مجهود كبير وإمكانيات لا تقدر السلطة على توفيرها، وهو ما سيكون ذريعة مقنعة لتبرير تواجد هذه القوات الأمريكية وتبرير عملها بحجة الحاجة اليها كقوة دعم وتحكم وهو تطبيق للاتفاقيات المبرمة مسبقا في مذكرات التفاهم وخدمات تقدمها أميركا للشعب مع أنها هي صانعة هذا الارهاب وهي المسؤولة عن سفك دماء المسلمين في أكثر من مكان.

    وعليه فان فتح هذا الجدال الآن وكذلك تصريح رئيس الدولة الباجي قايد السبسي بخصوص العائدين من بؤر التوتر لم يكن بريئا وإنما هو تهيئة للرأي العام في الداخل وتوجيه مقصود له باتجاه القبول بهذه الجريمة النكراء، وهي التفريط في البلاد والعباد ووضع أمنهم ومستقبلهم تحت تصرف القيادة الأمريكية تعبث به كيفما تشاء، وهي تسليم لقواتنا العسكرية والأمنية لها تسخّرها لتنفيذ أهدافها ومخططاتها في المنطقة.

       فالسلطة الحاكمة في تونس سبق لها أن سلّمت البلاد وأمنها ومستقبلها لأميركا المجرمة من خلال توقيعها لمجموعة من الإتفاقيات الأمنية والعسكرية ضدّ أهل هذا البلد بما فيه من جيش وعسكر وقوات أمن داخلي، وذلك تحت عناوين كاذبة مثل دعم مجهود الحرب على الارهاب، وأن الدعوة الحالية لبناء معتقلات تستقبل هؤلاء العائدين من بؤر التوتر يُعدّ بمثابة الدعوة لغوانتنامو إفريقيا يكون مبرّرا للإعتراف الرسمي بتواجد القيادة العسكرية الأمريكية وباستباحتها للبلاد ولأهلها وهو ما يمهّد لادخال جميع المنطقة وليس تونس فقط في مرحلة مظلمة وفوضى خلّاقة أبرز علامة خديعة الربيع العربي اليوم.

    كما أن الإصرار على رفض استقبال العائدين من بؤر التوتّر والإصرار على سحب الجنسية منهم مع أنه لا مبرّر لذلك ولا يقنع أحدا من الناس هو دفع لهؤلاء لرفض العودة وإعادة الإنتشار في المنطقة بما يسهّل عمليّة إعادة توظيفهم وتسخيرهم واستدراجهم سواء من الاستخبارات الأمريكية والدولية التي صارت ترتع بحرية كاملة في البلاد وخارجها، أو كذلك من الأنظمة الحاكمة في المنطقة وهي الأنظمة التي وجدت فقط من أجل خدمة أهداف أميركا والغرب في البلاد الاسلامية. وعدم قبول هؤلاء ممّن وقع استدراجهم والإيقاع بهم في مستنقع خديعة الربيع العربي سيساعد أميركا على خوض المرحلة المقبلة من مشروع الشرق الأوسط الكبير وخاصة مع الحديث عن موجة ثانية من الربيع العربي ستشهدها بعض دول المنطقة.

            لقد بات ظاهرا اليوم للجميع خطورة هؤلاء الحكام وخطورة دورهم في خدمة أهداف عدوّ الأمّة، فخطرهم على شعوبهم أشد من خطر الغرب نفسه لأنهم هم من فتحوا له الباب وسلّموا له البلاد والعباد، أما بخصوص هؤلاء العائدين من بؤر التوتر فهم ضحايا هؤلاء الحكام الذين أهملوا رعاية شؤون الناس وتركوا هؤلاء وغيرهم فريسة لكل عابث لا فرق بين من أخذهم للقتال أو من أخذهم للجريمة والمخدرات ومن أخذهم لأحضان المنظمات الأجنبية ليجعلوا منهم جواسيس على شعوبهم.

    وإن معالجة الأوضاع الراهنة ليس له إلا طريقا واحدا لا يتعدد وهو إزالة هذه الأنظمة الفاسدة القائمة على غير العقيدة الاسلامية، وإزالة هؤلاء الحكام العملاء ووضع الإسلام موضع التطبيق والتنفيذ كاملا شاملا دون تردد " ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ".

     30 ربيع الأول 1438 هـ
      30
    ديـسـمـبـر 2016 م

    اللجنة المسؤولة

    لحزب التحرير بتونس

     

  • ارفعوا أيديكم عن مساجد الله 

     

    بسم الله الرحمن الرحيم

    ارفعوا أيديكم عن مساجد الله

    لقد بات واضحًا لكل ذي بصر أن وزارة الأوقاف تختطف المساجد وتُوظفها في تثبيت أركان النظام والفصل بين الدين والحياة على حساب دين وهيبة العلماء والأئمة ومنهم خطباء المساجد.
    ففضلًا عن القوانين التي أصدرتها الحكومات المتعاقبة في البلاد، والتي تتعلق بدور المسجد والتعليمات التي أصدرتها وتصدرها وزارة الأوقاف في تلك الحكومات، والتي هي بمجملها _القوانين والتعليمات_ تحاصر دور المسجد والذي هو في حقيقته بيت الله وليس بيت الحكومة { وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا }، وذلك بتقييد الإمام فيما يلقيه من خطب ودروس، وحظر إلقاء الدروس والكلمات إلا بإذن من الأوقاف، ثم وصل الحال إلى توجيه تعليمات وأفكار وخطب ملزمة في بعض الأحداث الداخلية حتى غدا معظم الخطباء يرددون كالببغاوات خطبة الأوقاف المكتوبة بنفس مخابراتي علماني مما يثير سخرية كثيرين، وبخاصة من الذين باتوا يتجرأون على وصف الخطباء والوعاظ بألفاظ تنم عن مسخ لصورتهم في عيون الناس.
    والحقيقة أن من يتصدر للخطابة والوعظ هو في العادة شخص متدين اختار دراسة الشريعة ليخدم دين الله الذي ارتضى لعباده، وقد نهل من الثقافة الشرعية بما استبشر أنه يمكنه من أن يؤديَ ما استؤمن عليه من علم "العلماء ورثة الانبياء"، ولا أظن أكثرهم كان يدور بخلده أنه سيضيق عليه في أداء رسالة ربه في تعليم وتثقيف وتوجيه الناس، ثم يجد نفسه في ابتلاء بين لقمة عيشه وعيش عياله أو الرضوخ لما يُكرهه عليه السلطان مما ينال به غضب ربه.
    لقد نال خطباءنا وعلماءنا وأئمتنا ما نالهم من الابتلاء في دينهم حتى غدت هيبة كثيرين منهم في مهب الريح، وذلك بلجوئهم إلى أن يخطبوا في مواضيع مفصولة عن الواقع الذي يعيشه المسلمون تحاشيًا لأذى السلطات الظالمة، أو بتأويلهم للنصوص الشرعية لتتوافق مع ما تريده الحكومة، أو بترديد بعضهم كالببغاوات توجيهات وزارة الأوقاف التي غدت وكأنها أحد فروع المخابرات العامة، حتى غدا بعض الأئمة نتيجة خوفهم من أذى الدولة في أنفسهم؛ _ لتكرار استدعائهم لمراجعة المراكز الأمنية_ وخوفهم على رزق عيالهم، أدوات طيعة، بل ووصل الحال ببعضهم إلى أن يعمل مخبرًا رخيصًا يتجسس على الناس، عوض أن يكون قدوة لهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والوقوف وقفة العلماء الصادقين في قيادتهم أبناء أمتهم للتخلص من الظلم.
    وكمثال على ما نال خطباء مساجدنا من الأذى في دينهم وهيبتهم بين الناس في الأشهر القليلة الماضية، وصول تعليمات بالخطابة حول مواضيع تطلبها الدولة وتحاول من خلال تلك المواضيع تضليل الرأي العام وتسميمه بتصورات ومفاهيم بعيدة عن ما يطلبه الشرع من مثل:
      
    دفع الخطباء للحديث المتكرر عن الأمن والأمان في البلاد، ورغم أن الأمن والأمان هو مطلب كل عاقل، ولكن معظم الخطباء يدركون أن الله تعالى قد ربط الأمن والأمان بالإيمان والالتزام بشرع الله وليس بالبعد عن تطبيق الإسلام كما هو حاصل في البلاد {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن}، بل ويدرك الخطباء أن مدحهم لأمن البلد يسوغ للناس الرضا، بل والحرص على النظام القائم الذي لا يطبق شرع الله، وهم يعلمون أن البلاد التي تكفر بأنعم الله سيذيقها الله الجوع والخوف؛ أي عدم الأمان، وهل من نعمة أعظم من الإسلام؟! وهل من نقمة نستحقها من الله أكبر من نبذ شرعه وفصل دينه عن حياتنا؟! قال تعالى { وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ{.
    -
    دفع الخطباء للدعوة للرابطة الوطنية رغم أن الإسلام يدعو إلى الأخوة على أساس الدين وليس الوطن أو القوم، والرابطة الوطنية هي غير الحنين إلى الوطن؛ أي إلى المكان الذي وُلد ونشأ وتربى به الإنسان أو آباؤه وأجداده، فالحنين إلى الوطن هو أمر غريزي وهو جائز شرعًا، ولكن لا يصح أن تكون صلة الناس ببعضهم بتعيين عدوهم من صديقهم وتحديد ما يصلح لهم وما يفسد علاقاتهم قائمة على أساس الرابطة الوطنية، فالمسلم أخو المسلم وليس أخًا للكافر ولو كان من نفس الوطن، والحلال والحرام وليس مدى الوطنية هما مقياس المسلم في الحياة.
    -
    دفع الخطباء لمدح "الدولة المدنية" وتزيين صورتها لدى الناس، رغم أن "الدولة المدنية" هي الدولة العلمانية التي يجري فيها فصل الدين عن الحياة. وهي ليست نقيضًا للدولة البوليسية، ولا يتعلق اسمها بالمدينة أو القرية، ولكنها الدولة التي لا يتحكم فيها الدين في حياة الناس، وهي الدولة التي وجدت في أوروبا بعد التخلص من تحكم رجال الدين المسيحي في سلطات الأمراء والملوك في أوروبا، ولا يصح أن يطلق هذا الاصطلاح على الدولة الإسلامية لأنها الدولة التي تتحكم أوامر الشرع الإسلامي في علاقات الناس بها ولا يمكن أن يتم فيها فصل الدين عن الحياة.
    -
    دفع الخطباء إلى دعوة الناس لطاعة النظام القائم بحجة طاعة ولي الأمر رغم إدرك كل ذي عينين أن ذلك يتناقض مع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي من أعظم أعمال المسلم في الحياة، بل إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هما سر خيرية الأمة الأسلامية، قال تعالى: { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر...}، فضلًا عن أن الآية التي يستشهدون بها لفرض طاعة الحاكم حتى لو كان يحكم بغير ما أنزل الله تشير صراحة أن الطاعة هي للحاكم الذي هو من المؤمنين المكلفين على سبيل الإلزام بطاعة الله ورسوله، فالآية تخاطب المؤمنين بأن يطيعوا أولي الأمر منهم؛ أي من المؤمنين { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم{.
    -
    التلبيس على الناس في قضية أبنائهم الذين التحقوا بتنظيم الدولة (داعش)، ورغم انحراف منهجهم، وبشاعة أعمالهم، إلا أن الخطباء يدفعون إلى مهاجمتهم والدعوة إلى قتلهم ووصفهم بالخوارج مع السكوت عمن تسبب في دفعهم للالتحاق بالتنظيم المنحرف نتيجة ترك تلك الدول القائمة في بلاد المسلمين تطبيق الإسلام الذي يتوق أولئك الشباب لرؤيته متحكمًا في علاقات الناس ببعضهم وبدولتهم. على أن العلاج لا يكون بفتح أبواب البلاد لخروجهم ثم منع عودتهم، بل بنقاشهم بما يحملون من أفكار منحرفة، ونقاشهم بعد عودتهم لا سجنهم أو قتلهم وهم أبناء الأمة الذين باتوا محلًا وهدفًا لتدريب طياري أميركا والغرب والشرق الكافرين، واختبار أسلحتهم.
    -
    وإذا كان الخوارج قد خرجوا على إمام المسلمين فكيف بمن حارب أن يكون للمسلمين إمامًا بل وخرج عن أوامر دين الله ونبذ شرعه الذي أمر المسلمين أن يحكموه كاملًا دون ترك أي جزء منه؟! قال تعالى: { وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُون{.

    خطباؤنا وأئمتنا الكرام..
    إن من دهاء هذه الدولة البوليسية أنها وضعت مكافأة للخطبة المميزة (50) دينارًا، ولكن تلك الخطبة حتى يحكم بتميزها ينبغي أن تكون مسجلة حتى تعرض على اللجان التي ستحكم على تميزها وذلك مما يزيد في تخويف كثير من الأئمة بتسجيل خطبهم بعلمهم أو من دون علمهم، ويلجؤونهم للتحفظ على كل كلمة يمكن أن تفسر أنها ستكون سببًا لاستدعائهم إلى دوائر الأمن.
    وإننا إذ نذكركم أيها الأئمة الأفاضل، أنكم من يُعلم أبناء الأمة أن الرزاق والمحيي والمميت هو الله تعالى، فأنتم أحرى الناس بالأخذ بحقيقة ما تعلمونا إياه، وأنتم من يجب أن تعلموا الناس خلفكم كيف تكون مواقف الأئمة والعلماء الذين ينبغي أن يوصوا الأمة وأنفسهم بالحق والصبر.

    أيها المسلمون..
    بناءً على ما لحق ائمتنا وخطباءنا وعلماءنا من الأذى فإننا مطالبون جميعًا أن نقف بجانبهم لرد تطاول الدولة على العلماء، واستهتارها بكرامتهم، وتدميرها الممنهج لهيبتهم وتأثيرهم الإيجابي على الناس بزجهم في خدمة سياساتها غير القائمة على شرع الله وحمل رسالة رب العالمين، ونطالب كل غيور على دين الأمة أن يأخذ على يد من يظلمون الأئمة والخطباء وعلماء الدين؛ ليكفوا أذاهم عنهم، ومنه تهديدهم في أنفسهم وأرزاقهم، وأن يتركوهم يعلمون الناس أوامر دينهم، وليكونوا قادة الناس في المحاسبة على الظلم وتجاوز شرع الله تعالى.

     { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ{

     

     

    3 ربيع الآخر 1438هـ

    2017/1/2 م

     حزب التحرير

    ولاية الأردن

     

  • اغتيال السفير الروسي في أنقرة 

    بسم الله الرحمن الرحيم

    متابعة سياسية

    اغتيال السفير الروسي في أنقرة

     

    لا بد قبل الدخول في تحليل الحدث من إيضاح ملاحظات ثلاث:

    أولاها: إن ما نطرحه من رأي سياسي لا يدور حول من نفذ عملية الاغتيال للسفير الروسي، وهو شاب اندفع لمثل هذا العمل لتجاوبه مع مشاعره الجياشة تجاه ما حدث ويحدث لأخوته في سوريا، بل وإن ما تحدث به الشاب الذي كان يضحي بنفسه ليدل على معدن هذه الأمة المضحية والأصيلة، والتي تستحق أن تتسيد الأمم باعتبارها صاحبة رسالة إنقاذ للبشرية من الظلام الذي تعيشه في ظل النظام الرأسمالي العفن، إلا أن كل ذلك لا يمنع من التفكير في الحدث ومن وراءه حتى يكون المسلمون على بينة مما يكيده أعداء الله لهم.

    ثانيها: فقد سبق لأردوغان أن أغضب أسياده الأميركان في أكثر من مسألة، ومن ذلك ما يخص المسألة الكردية، حيث تريد الإدارة الأميركية منه أن يتغاضى عن نشأة كيان كردي على طول الحدود التركية السورية، وهو يدرك أن الداخل التركي سيتحرك سريعًا نحو التصدع لو وافق على ما تريده الإدارة الأميركية التي تهدف إلى تحريك الأكراد نحو الانفصال بل والسير نحو حلم كردستان الكبرى. ومع أنه لوحظ موافقة تركيا على عدم التعرض  للأكراد في شمال شرق سوريا (شرق الفرات) ودل على ذلك تعهد الأتراك بعدم التعرض لوحدات الحماية الكردية في نطاقه وتعهد الأميركان على لسان نائب الرئيس جو بايدن بخروج الأكراد من منبج بعد أسبوعين من تخليصها من يد تنظيم الدولة إلا أن الإدارة الأميركية لم تف بتعهداتها، ومع شعور الأتراك بخداع الإدارة الأميركية لهم بعدم خروج وحدات الحماية الكردية والتي تشكل معظم ما يسمى قوات سوريا الديمقراطية وقوات الاتحاد الديموقراطي من منبج، بل واتخاذها وضعًا قتاليًّا مما جعل أردوغان يسارع لأخذ مدينة الباب قبل وصول الأكراد إليها، وتوعده بأخذ منبج لعدم تمكين الأكراد من بسط سيطرتهم على ممر يصل شرق الفرات بغربه، فأردوغان الذي دخل جرابلس والراعي تحت غطاء جوي أميركي أدرك عدم وفاء الأميركان بتعهداتهم وأنهم يراوغون ويخدعونه، وبخاصة وأن عملية الرمح النبيل التي استهدفت تنظيم الدولة شكلًا إلا أنها كانت بمنزلة إبطاء للتقدم السريع لقوات درع الفرات ولمنع اجتياحها لمناطق يسيطر عليها الأكراد.

    ثالثها: مع شعور أردوغان بقوته في داخل تركيا فقد بدرت منه تصرفات يخالف فيها الإدارة الأميركية التي يريدها أن تتعامل معه _بعد تتبع مواقفه_ كما تتعامل مع زعماء أوروبا لا كبقية عملائها في دول العالم الثالث، ولذلك بات يظهر جليًّا ضغوطاتها عليه، ومن ذلك ما رأيناه من تفجيرات 12/10 وما تلاها من تفجير حافلة الجند قبل يومين، ومحاولة التأثير سلبًا على الاقتصاد التركي. وعليه فلا يستغرب أن تقوم الإدارة الأميركية بإيجاد حالة عدم استقرار لحكم العدالة والتنمية لإعادة تدجين أردوغان أو حتى العمل على التخلص منه لو لزم الأمر.

    وعودة إلى مسألة اغتيال السفير الروسي في أنقرة، فإنها جاءت قبل ساعات من انعقاد اللقاء الثلاثي بين وزراء دفاع وخارجية تركيا وروسيا وإيران، وكان السفير الروسي يلقي كلمة لدى حضوره معرضًا للفن الروسي في العاصمة أنقرة عندما أطلق عليه النار مولود ألتنطاش، والذي تشير المعلومات عن وجود علاقة له مع جماعة فتح الله غولن، أو ما يسمى بالتنظيم الموازي والمرتهن للإرادة الأميركية .

    وبالنظر إلى التوقيت وإلى شخصية المستهدف فإن من يقف وراء هذه العملية هي قوى دولية على رأسها أميركا. فالاغتيال جاء عشية الاجتماع الثلاثي التركي الروسي الإيراني في موسكو لبحث القضية السورية. كما أن الاغتيال جاء قبل يوم أيضًا من تقديم حزب العدالة والتنمية ملف التعديل الدستوري إلى البرلمان.

    وبناءً عليه فإن عملية اغتيال السفير الروسي يرجح انها صدرت عن قرار دولي أريد له أن يحقق جملة من الأهداف القريبة والمتوسطة:

     

    أولًا: إفشال اللقاء الثلاثي في موسكو المتعلق بسوريا

    فالعاصمة الروسية موسكو تحتضن اليوم 2016/12/20 اجتماعًا ثلاثيًا يضم كلًا من وزراء خارجية روسيا سيرغي لافروف، وتركيا مولود جاويش أوغلو، وإيران محمد جواد ظريف، للنظر في القضية السورية. وسيتم خلال الاجتماع مناقشة آخر التطورات الحاصلة على الصعيد السوري، وبخاصة مسألة إجلاء المدنيين المحاصرين في شرقي محافظة حلب. كما سيتم خلال الاجتماع مناقشة فكرة جمع المعارضة السورية بممثلين للنظام السوري في كازاخستان، بغية تجهيز الأرضية المناسبة للانتقال إلى "الحل السياسي" الذي من شأنه إنهاء الأزمة السورية.

    ورغم أن أميركا تسعى هي أيضًا إلى إيجاد أرضية سياسية لفرض الفدرالية والعلمانية في سوريا وبخاصة بعد نجاحها في تمكين نظام بشار من شرق حلب؛ لكنها غير مرتاحة لحضور تركيا في المفاوضات وبخاصة بعد أن فشلت في إدخالها في دائرة "الفوضى الخلاقة" مع سوريا والعراق. أما إيران فإنها لا تزال على عمالتها التامة لأميركا وهي تنفذ بكل إخلاص مخططات أميركا في المنطقة تحت شعارات "الحرب الطائفية".

    وإدراكًا من روسيا أن من أهداف اغتيال السفير الروسي هو إفشال اللقاء الثلاثي صرح رئيس لجنة العلاقات الدولية في الدوما: إن اغتيال السفير كارلوف لن يفسد العلاقات مع تركيا، مضيفًا أن المحادثات مع تركيا وإيران بشأن سوريا ستجري في موعدها رغم حادثة مقتل السفير.

     

    ثانيا : محاولة منع مشروع التعديل الدستوري في تركيا

    إن حادثة الاغتيال تذكرنا بما سبق وأن قاله رئيس حزب الشعب الجمهوري متوجهًا لحزب العدالة والتنمية بأن  النظام الرئاسي "لا يمكن لكم تحقيقه دون إراقة دماء". ومن المعلوم أن إقرار النظام الرئاسي يزيد في صلاحيات أردوغان، وهو ما لا يتوافق مع الإرادة الأميركية حاليًّا التي يبدو أنها ما عادت تنظر إلى أردوغان نظرة ارتياح بعد محاولاته العديدة لمخالفة إرادتها.

    ولذلك لوحظ استخدامها لحزب الشعب الجمهوري وحزب الشعوب الديموقراطي وغيرهم من عملائها _الذين ينافسون أردوغان وحزبه ومن يؤيده_ أدوات قوية ليقفوا في وجهه لمعارضة التعديل الدستوري الخاص بتحويل نظام الحكم  من برلماني إلى رئاسي. وقد جاءت عملية الاغتيال أيضًا بعد حوادث التفجيرات والهجمات الداخلية التي ازدادت وتيرتها في الآونة الأخيرة لتزعزع الثقة في تركيا وفي قدرتها على حماية الأمن بعامة وحماية السفراء والأجانب بخاصة.

    ولزيادة رجحان الظن في تحقيق هدف إظهار عدم الاستقرار، فقبل يومين من الاغتيال تعرض مقر حزب الشعوب الديمقراطي في عدد من المحافظات لهجمات متفرقة، وقد أثبتت التحقيقات أن من قام بذلك هم عناصر من حزب الشعوب الديمقراطي نفسه.

    إن عملية الاغتيال بعد ربطها مع بقية التفجيرات والهجمات السابقة تهدف إلى إيجاد تراكم في وعي الناس بتركيا أن حزب العدالة والتنمية غير جدير بحكم البلاد ومن باب أولى أنه غير قادر على إيجاد الاستقرار السياسي بعد إقراره للنظام الرئاسي من خلال البرلمان ثم الاستفتاء.  

     

    ثالثًا: ضرب العلاقات الروسية التركية

    كان من الممكن أن يتم اغتيال وقتل عدد من السياح الروس في تركيا للتشويش على العلاقات الروسية التركية؛ لكنه تم اغتيال السفير لما له من رمزية كبيرة في محاولة نسف العلاقات المتنامية بين روسيا وتركيا. ولذلك جاء هذا الاغتيال كمحاولة لتكرار حادثة إسقاط الطائرة الروسية في تشرين ثاني/نوفمبر 2015. فكلا الحادثتين لهما علاقة بالسيادة والكرامة الروسية، هذا بالإضافة إلى أن السفير أندريه كارلوف كان له دور كبير في تحسين العلاقات بين البلدين.

    وقد أدرك كل من زعماء روسيا وتركيا هذا الهدف من وراء عملية الاغتيال وتصرفا بشكل مغاير لما حدث بعد حادثة سقوط الطائرة. فقد ذكر رئيس الوزراء التركي: أن الهدف من اغتيال السفير الروسي هو الاضرار بالعلاقات التركية الروسية، مضيفًا بأنه: لن نسمح بالإضرار بالعلاقات مع روسيا ولن نقع في فخ الإرهاب.

    أما الرئيس أردوغان فقال: بعضهم يحاول استغلال الحادث للتأثير على علاقاتنا بموسكو ولكنهم لن يفلحوا، مضيفًا أن اغتيال السفير الروسي عمل تحريضي يستهدف العلاقات الجيدة بين البلدين. وبالنسبة للرئيس فلادمير بوتين، وهو رجل المخابرات، فقال: إن الاغتيال يهدف لإفساد العلاقات الروسية التركية وعرقلة عملية السلام السورية.

     

    رابعًا: تشويه سمعة روسيا بين المسلمين

    رغم أن هناك شعورًا في روسيا وتركيا بالاستهداف المشترك من قبل من خطط لهذه العملية، إلا أن روسيا ترى أن هذه العملية يراد بها أيضًا تحميل روسيا مسؤولية كل الجرائم التي وقعت في حلب وسوريا. وهذا ما جعل روسيا تقول أنها ستطرح مسألة مقتل السفير في تركيا على مجلس الأمن، وذلك في محاولة منها لتحويل الرأي العام من النظر إليها كدولة معتدية على حلب إلى دولة "ضحية الإرهاب".

    فما صدر على لسان قاتل السفير فيه استهداف مباشر لسمعة روسيا على مستوى الرأي العام الإسلامي والدولي.

    واخيرًا فإنه من الواضح أن أصابع الاتهام موجهة لمن لا يريد للتقارب الروسي - التركي أن ينجح ويستمر وبخاصة مع تعارضه مع مصلحة أميركا التي تهدف إلى تحجيم روسيا ودفعها لتكون إحدى دول أوروبا.

    وهي موجهة لمن لا يريد لتركيا أن تلعب  دورًا أكبر من حجم الدور المطلوب منها  في الملف السوري وغيره من الملفات الداخلية والخارجية.

    إن أول المتهمين بعملية اغتيال السفير الروسي في أنقرة هي أميركا التي عملت ولا تزال على جعل تركيا جزءًا في دائرة "الفوضى الخلاقة".

    ومع كل ذلك فمن المستبعد أن يكون لهذا الحادث تأثير سلبي على العلاقات التركية الروسية، فهي أزمة عابرة ربما تزيد في تعميق العلاقات البينية وبخاصة بعد أن بدأت روسيا تدرك أنه ليس من مصلحتها الاستراتيجية سقوط حكم أردغان ولا سقوطها هي كثيرًا في المستنقع السوري.

     

    21 ربيع الأول 1438هـ

    2016/12/20م

  • متابعات سياسية عن مصر- وسوريا - والعراق 

    بسم الله الرحمن الرحيم
    متابعات سياسية


    أولاَ: مصر
    لم يمض وقت طويل على سقوط بعض الحكام الذين عصف بهم ما يسمى بالربيع العربي حتى تركز الإدراك لدى الأميركان أن الإسلام هو الفكر الوحيد الذي يسيطر على عقيدة الأمة وأفكارها ومشاعرها. كما أدركوا أن بقاء حكام ذوي "توجهات إسلامية" (مثل الإخوان والنهضة) سوف لن يؤدي _نتيجة اندفاع الناس نحو إسلامهم_ إلا إلى إبراز حقيقة المعركة مع أميركا والغرب بأنها صراع بين الإيمان والكفر، وهذا سوف يترتب عليه أن تأخذ الأمة بزمام المبادرة وتعمل على السير في الطريق الصحيح للنهضة. فـ(معركة القلوب والعقول) التي رفعت أميركا لواءها لن تؤدي إلا إلى القضاء على الكفر ذاته، نظرًا لقوة الإسلام الفكرية وتغلغل عقيدته الروحية والسياسية في عقل الأمة وشعورها.
    فرغم كل الصفقات المشبوهة التي عقدتها أميركا مع الحركات الإسلامية التي وصلت إلى الحكم في تونس ومصر وليبيا، لكنها وبمعية بقية دول الكفر في أوروبا لم تكن تؤمن بقدرة هذه الحركات على ترويض الشارع الإسلامي والسير به في الاتجاه الذي يضمن تنفيذ مشاريع الكفر والتمكين للعقيدة الرأسمالية من خلال معركة (القلوب والعقول).
    ولذلك كان لزامًا على أميركا أن تتمسك بسياسة "مكافحة الإرهاب" كأحد أهم أدواتها في محاربة الإسلام، وكان ذلك بعد أن نجحت في صناعة أو استخدام تنظيمات عسكرية (مثل داعش) وأخرى سياسية تتخفى بالإسلام، ليس فقط من أجل إعادة رسم خارطة الأمة الجيوسياسية واستكمال ما بدأته فرنسا وبريطانيا بعد الحرب العالمية الأولى بل أيضًا للحيلولة دون أن يكون الإسلام قيِّمًا على فكر الأمة وشعورها.

    دور السيسي
    وبعد وضوح رؤية أميركا للمنطقة لم تجد أفضل من عبدالفتاح السيسي للقيام بما تريد إنجازه في مصر وما حولها، ولكن ما الذي أرادت أميركا تحقيقه في مصر؟
    سعت أميركا إلى تحقيق مجموعة من الأهداف الاستراتيجية داخل مصر وحولها لعل أهمها:
    1 - إزاحة الإسلام من إمكانية التأثير في الحياة العامة وفرض الرأسمالية دينًا عبر تبني مفهوم الإسلام الديمقراطي، ولتحقيق ذلك عمل السيسي بوسائل منها:
    أ_ ملاحقة كل الحركات الإسلامية التي تطرح الإسلام باعتبار أن له علاقة بالحياة العامة للمجتمع. وكان ذلك عبر سياسات أمنية قائمة على القتل والاعتقال والسجن والتشريد ومصادرة الأموال وإغلاق الأحزاب والجمعيات ذات العلاقة بحركة الإخوان المسلمين وغيرهم، وقد عمل السيسي وجنوده في هذا السياق على نشر الشك والرعب في نفوس الناس بحجة أن البلاد تتعرض لمؤامرات أجنبية.
    ب_ اتباع أجندة إعلامية تهاجم الإسلام في عقيدته وأحكامه، وتلاحق بالكذب والافتراء كل من ينتمي إلى التيار الإسلامي المعارض للسيسي ونظام حكمه. وتزامنًا مع هذه الهجمة الإعلامية على الإسلام عملت وزارة التربية والتعليم في مصر على تغيير مناهج التعليم والمواد التعليمية بما يمسح كل ما له علاقة بعظمة الإسلام ومجد التاريخ الإسلامي على قاعدة "تجفيف المنابع".
    2 - تغيير عقيدة الجيش المصري من جيش حامٍ للحدود ويستعد للدخول في صراع وحرب مع "كيان يهود" إلى جيش يقاتل شعبه في سيناء وغيرها من مدن وشوارع مصر بدعوى محاربة "الإرهاب"، ومن ثم لم يعد هذا الجيش يشتغل بإعداد الخطط والتجهيزات العسكرية أو تطوير صناعة حربية بل أصبح يشتغل في الاقتصاد وينافس الشركات في الاستيراد والتصدير للسلع والخدمات والصفقات التجارية، إلى درجة أن تهكم بعضهم على هذا الجيش بالقول أن عمله هو الإشراف على خطوط الصرف الصحي وانتاج "أصابع الكفتة".
    3 - التفريط في ثروات مصر ومدخراتها عبر التفريط في حقوق مصر النفطية والغازية في البحر المتوسط أو عبر تزويد دولة "يهود" بالغاز المصري بأقل من سعر السوق. هذا بالإضافة إلى جعل مصر نهبًا للشركات البترولية الدولية بدعوى حقوق التنقيب والاستكشاف.
    4 - ضرب الاقتصاد المصري بشكل متعمد عن طريق الديون وإيقاف الانتاج وسرقة الأموال بعد أن ابتلع السيسي وملؤه عشرات المليارات من الدولارات التي جاءت على شكل قروض ومساعدات وهبات وصلت إلى حدود 50 مليار دولار. وقد انعكس هذا الانحطاط الاقتصادي غير المسبوق على أوضاع المعيشة في مصر، والتي جعلت سلعًا أساسية مثل: الزيت والسكر نادرة الوجود بأسعار معقولة.
    5 - تمكين كيان " يهود" من أسباب القوة والبقاء عبر حصار غزة وهدم الأنفاق ومطاردة كل مسلم مقاوم للاحتلال في سيناء بالإضافة الى تمتين معاهدة السلام وحتى تغيير بعض بنودها لمصلحة الأمن الإسرائيلي كالسماح بالتواجد العسكري في سيناء من أجل ملاحقة المسلمين فيها.
    6 - تقديم الدعم العسكري المباشر وغير المباشر عبر الاستخبارات والتمرين والعتاد والتدريب لقوات خليفة حفتر في ليبيا من أجل مساعدته في فصل الشرق الليبي والتغلب على قوى المعارضة المسلحة هناك مثل مجلس شورى ثوار بنغازي وسرايا الدفاع عن بنغازي.
    وبالنظر إلى هذا الدور الكبير الذي أوكلته أميركا إلى عبد الفتاح السيسي وإنجازه لمعظم هذه المهمات الخطيرة على الإسلام والمسلمين في مصر وخارجها ، يبدو أنه قد آن الوقت الذي يترك فيه الحكم لأنه لم يعد رجل المرحلة القادمة.
    والنظرة العميقة لممارسات نظام السيسي الأخيرة ومنها تصويته في مجلس الأمن في مسألة حلب بوقوفه إلى جانب روسيا والنظام السوري بل وتحركه نحو روسيا واقترابه من النظام السوري وتوطيد علاقته مع إيران، مع ابتعاده في نفس الوقت عن دول الخليج وبخاصة السعودية، ثم أخيرًا اتخاذه قرارات اقتصادية تزيد أوضاع الناس سوءًا، فإن كل ذلك وما سبقه من ممارسات ذاق الناس مرارتها لا تؤهله للبقاء في الحكم للمرحلة اللاحقة.
    وما كان لنظام السيسي أن يقوم بذلك _العلاقة مع روسيا وسوريا ودول الخليج_ لولا أنه يسير وفق خطة أميركية مدروسة متفق عليها بين أميركا وروسيا التي اتخذت منها أميركا شريكًا لها في إنجاح مخططاتها الاستراتيجية مقابل منافع اقتصادية وسياسية وعسكرية ما كانت تحلم بها روسيا في وضعها الاقتصادي المتأزم.
    وحتى يتم تبرير أفعال السيسي والسعودية وتغيير علاقته مع دول الخليج كان التصويت المصري لصالح المشروع الروسي حول حلب في مجلس الأمن، وهو ما أعطى الذريعة للسعودية بإيقاف ضخ الأموال والنفط لمصر. ثم كان بعد ذلك زيارة علي مملوك للقاهرة كرد على ما قامت به السعودية وإظهار السيسي أنه بات مصطفًا مع "محور" روسيا وإيران وسوريا.
    والحقيقة أنه لا وجود لأي محور من هذا القبيل في المنطقة إلا في عقول الصحافة ومراهقي السياسة، وما جرى على هذا الصعيد زاد في تهيئة الظروف لثورة الناس على النظام، فلا الناس في مصر بصفة عامة يتقبلون ممارسات نظام الأسد ضد أبناء الأمة في سوريا، ولا تطربهم أصوات القنابل الروسية على رؤوس إخوانهم في حلب وسوريا عمومًا، ولا يميلون نحو إيران التي تدعم نظام الأسد وتدعم الممارسات المذهبية لنظام العراق، ولا يُسعد أهل مصر قطع النفط السعودي وزيادة أسعاره بنسب عالية بلغت 30-40% زادت معاناة الناس المنهكين اقتصاديًّا.
    وأمام الظروف المواتية والتي تستفز الناس للثورة على الأوضاع بالغة السوء، ومع وضوح التحضيرات العملية، وتشكيل لجنة وطنية لمتابعة مظاهرات يوم 11/11، ووجود التغطية الإعلامية الحالية وبخاصة من محطة الجزيرة، إضافة إلى عودة الدكتور محمد البرادعي إلى الواجهة وإعادة إنتاجه كشخصية معتدلة لها احترام في أوساط العسكر والعلمانيين كما أنها شخصية تبرأت من فض اعتصام رابعة بالقوة ومن الدماء التي أريقت، كل ذلك يشير إلى التهيئة لوضع جديد من المتوقع أن ينهيَ فترة حكم السيسي.
    ورغم أن هناك أكثر من مرشح إلا أنه لا يتوقع أن يكون بديل السيسي قادمًا من المؤسسة العسكرية، وإذا جرت الأحداث حسب ما هو متوقع، فقد يكون الدكتور محمد البرادعي هو المرشح لقيادة حكومة إنقاذ وطني أكثر من كل من السيدين أيمن نور أو عمرو موسى، فهو يحظى باحترام العلمانيين ومن خلفهم المؤسسة العسكرية من جانب، إضافة الى قبوله من طرف الإخوان، وهو قادر على جسر الهوة بينهما.
    ولكن الذي يثير التساؤل هو: إلى متى يتلاعب الكفار بالمسلمين؟! ويتحكمون في شؤون حياتهم ويقررون لهم مستقبلهم؟! وإلى متى تهمل الأمة قيمتها وقدراتها؟! وإن أريد لها أن تبرز قيمتها وقدراتها وتقول كلمتها فهل سيبقى ذلك مرهونًا بترتيب أو إشارة من أعدائها؟!

    ثانيًا: سوريا
    إن المراقب لما يجري في حلب وسوريا عمومًا يلحظ أن السير نحو التقسيم يجري بخطى حثيثة، فمنذ دخول القوات التركية إلى جرابلس تحت غطاء جوي من قوات الحلفاء ومن ضمنها سلاح الجو التركي وانشغالها في إنشاء ما يسمى بالمنطقة العازلة وعدم استهدافها لمناطق شرق الفرات ذات الغالبية الكردية (الحسكة وقامشلي) في الشمال السوري، فقدد فُهم من مجموع ذلك أن هناك ترتيبات جرت خلف الستارة سمحت للأتراك بالمباشرة في إنشاء المنطقة العازلة بعد دخول قواتهم لجرابلس بحجة إخراج تنظيم الدولة واستخدامهم لجيش سوريا الحر واجهة لتحقيق تقدمهم في الأراضي السورية.
    على أن سكوت الأتراك وعدم تعرضهم لمناطق شرق الفرات يشير إلى موافقتهم على كيان كردي محصور فيها ولا يمتد ليغطي كامل الشريط الحدودي مع تركيا؛ أي عدم امتداد الإقليم الكردي إلى مناطق غرب الفرات كما كان يحلم الأكراد.
    أما دفع الأكراد لمهاجمة الرقة كما أعلنوا أول أمس السبت تحت اسم جيش سوريا الديموقراطي بدعم جوي من قوات التحالف، فهو فضلًا عن كونه سيضعف القوى الكردية في سوريا بزجهم في معركة استنزاف مع تنظيم الدولة بعد إغرائهم بمكاسب على الأرض، فإن مثل هذا القرار المتعلق بمكافحة "الإرهاب" والذي يضيق الخناق على تنظيم الدولة قد جاء في توقيت يزيد من فرص نجاح الحزب الديموقراطي في الانتخابات التي ستجري غدًا الثلاثاء الثامن من الشهر الجاري، وذلك بعد تذرع تركيا بالامتناع عن بدء الهجوم على الرقة إلا بعد استعادة الموصل.
    وفي جبهة حلب لوحظ الضغط العسكري الشديد طوال شهر كامل على أحياء حلب الشرقية، وكانت الغاية وراء ذلك هي الضغط على المقاتلين والتنظيمات التي توصف بالمتشددة، والتي سبق لها رفض الدخول في مفاوضات سلمية بوجود النظام، وترجيح كفة المنظمات التي توصف بالاعتدال.
    وقد أعقب الهجوم الهمجي على أحياء حلب الشرقية هدنة مشروطة بخروج مقاتلي (فتح الشام/النصرة) وغيرهم ممن وصفوا بالمتشددين إلا أن رفض الحاضنة الشعبية الرضوخ للنظام وحلفائه وخوفهم من مصير أهالي داريا وغيرها حال دون خروج المقاتلين الذين يوصفون بالتشدد.
    ثم جاءت أرتال الثوار من إدلب وريف حماة لفك الحصار عن حلب، ورغم تقدمها البطيء، إلا أنها ستشارك في معركة حلب المنتظرة والتي ستنعكس نتائجها على كل تلك المناطق.
    والمتوقع هو رسم حدود إقليم سني تحت قيادة الجيش الحر ومن على شاكلته ممن يوصفون بالمعتدلين يشمل الشمال السوري ما عدا مناطق شرق الفرات (المنطقة الكردية)، ويمتد من الحدود التركية مرورًا بحلب وإدلب وأجزاء من حماة وريفها، ولن يكون هذا الإقليم هادئًا بل سيكون القتال بين الفصائل المختلفة هو السمة البارزة فيه.

    ثالثًا: العراق
    باحتدام القتال في الموصل بعد دخول الأسبوع الثالث للمعارك بين القوات العراقية وحلفائها مع تنظيم الدولة، يتوقع أن تزداد شراسة القتال لتحصد آلاف الأرواح، وتعزز الفصل المذهبي في البلاد.
    والظاهر أن الكيان السني والذي يتوقع إنشاؤه عقب هزيمة تنظيم الدولة في العراق سيمتد ليشمل مناطق السنَّة من الموصل حتى الرطبة. فالعراق الذي ينص دستوره على أنه دولة اتحادية، ورغم محاولة "الشيعة" إحكام السيطرة على البلد، وظهور النزعة المذهبية، إلا أن المكون "السني" فيه يسعى لرسم حدود لإقليمه وهو ما يقره دستور بريمر.
    أما التدخلات الإيرانية والتركية فإنها ستستمر مما قد يؤدي إلى احتكاك بينهما لا قدر الله سيكون كارثة حقيقية تضاف إلى باقي مآسي المسلمين.

    7 صفر1438هـ
    2016/11/7م

     

  • متابعة سياسية لبنان ترشيح الحريري عون للرئاسة 

    بسم الله الرحمن الرحيم

    متابعة سياسية
    لبنان: ترشيح الحريري عون للرئاسة

    بعد عامين ونصف من الفراغ الرئاسي الذي عانت منه لبنان، بسبب عدم اكتمال النصاب القانوني واختلاف الكتل النيابية على المرشح الملائم، ومع اقتراب عقد الجلسة البرلمانية المقبلة لانتخاب رئيس في 31 تشرين أول/أكتوبر الجاري، أعلن زعيم "تيار المستقبل" سعد الحريري يوم 2016/10/20 م تأييده ترشيح رئيس "تكتل التغيير والإصلاح" ميشال عون لرئاسة الجمهورية.
    لقد جاءت هذه الانعطافة السياسية في قرار الحريري بعد مشاورات داخلية وخارجية استمرت قرابة ثلاثة أسابيع تلبية لاحتياجات إقليمية ودولية أكثر منها داخلية. فالشغور الرئاسي مستمر منذ 25 أيار/مايو 2014، ولم يحدث أي جديد على المستوى الداخلي، لكن الأوضاع الإقليمية التي تشهد تحولات كبيرة فرضت على أميركا وفرنسا أن تعملا على سد هذا الفراغ في أعلى هرم "الدولة اللبنانية".
    وقد حاولت كل من أميركا وفرنسا النأي بنفسيهما ظاهريًّا عن هذا الحراك اللبناني حتى يبدو موقف الحريري وكأنه يأتي في سياق الأعمال السياسية الداخلية، مع أن الحريري قد أعلن عن موقفه الجديد بُعيد عودته من زيارة قام بها إلى روسيا والسعودية قادما من باريس.
    فقد قال وزير الخارجية الأميركي جون كيري في واشنطن يوم 2016/10/21: "نحن نأمل بالتأكيد بأن (يحدث) تطور في لبنان، لكنني لست واثقًاً بنتيجة دعم سعد الحريري (..) لا أدري". وأضاف كيري بحذر: "نحن نأمل بأن يتم تجاوز هذا المأزق الذي يؤثر على لبنان والمنطقة". أما فرنسا فقد صرح مصدر فيها لجريدة "الحياة" أن باريس "ستمتنع عن الإدلاء بأي تصريح. حتى يوم انتخاب الرئيس في لبنان، لأنها لا تريد التدخل ولا تأييد أي كان، فلا مرشح لديها".

    دوافع القرار..
    والمدقق في سياسة أميركا يرى أنها تريد أن لا يتأثر لبنان في الوقت الحالي بالتحولات التي تشهدها المنطقة ومن باب أولى أن لا يكون في دائرة الحروب التي أشعلتها أميركا. ومن هنا جاء تمرير الموافقة على ترشيح ميشال عون رغم الرفض السعودي السابق لهذا الاختيار.
    وقد عبر رفيق الحريري عن هذا الأمر في كلمته بالقول: "بناءً على نقاط الاتفاق التي وصلنا إليها، أعلن اليوم أمامكم عن قراري بتأييد ترشيح العماد عون لرئاسة الجمهورية. هذا قرار نابع من ضرورة حماية لبنان والنظام والدولة والناس، لكنّه مرة جديدة قرار يستند إلى اتفاق بأن نحافظ معاً على النظام ونقوّي الدولة ونعيد إطلاق الاقتصاد ونحيد أنفسنا عن الأزمة السورية".
    وبالنظر في كلام الحريري يتضح أنه لم يتحرك من تلقاء نفسه بل جاء قراره تلبية لأوامر خارجية (أميركية وأوروبية) من أجل تجنيب لبنان الوقوع في ثلاثة مخاطر لها تأثير على مخططات أميركا في المنطقة وحاجة أوروبا للأمن ولبقاء لبنان تحت وصاية الثقافة الغربية.
    أولًا: الحرب الأهلية
    إن الحرب المستعرة في الموصل، وما يصاحبها من مخططات طائفية وتقسيمية، وإن ما تشهده سوريا من حرب مدمرة وبخاصة في حلب، وما يراد الوصول إليه من ترسيم جديد لبلاد الشام بقوة السلاح والمفاوضات القادمة هي من أهم الأسباب التي ساهمت في دفع الدول المعنية بالسير نحو إيجاد رئيس للبنان.
    وقد عبر سعد الحريري عن هذا المعنى بقوله عندما وصف لبنان بأنه "جزيرة آمنة نسبياً في بحر من الحروب الطاحنة، لكن الحفاظ على هذا الهدوء لن يكون بالصدفة، إنما بإنهاء الفراغ الرئاسي وحماية الدولة من هيمنة السلاح غير الشرعي عبر تعزيز مؤسساتها".
    فالحروب الدائرة في المنطقة وارتداداتها على التطورات الداخلية في لبنان قد تُحوِّل منطقة الشمال اللبناني إلى حاضنة "جهادية" من الممكن أن تؤثر على الوضع العسكري لحزب الله الذي أوكلت له أميركا مهمة القتال إلى جانب بشار الأسد. وهذا الاختلال في موازين القوى قد يشجع أطرافًا في الداخل منفلتة من الارتباطات الإقليمية والدولية أن تعلن الحرب على حزب الله الذي أصبح بندقية مأجورة على الجبهة السورية.

    ثانيًا: الهجرة إلى أوروبا
    رغم ضعف احتمال نشوب حرب أهلية في لبنان، فإن الدول الغربية تُعوِّل على نجاح مسار الوصول إلى انتخابات رئاسية في انتظار ما سوف تسفر عنه حروب سوريا والعراق، التي قد يترتب عليها انتشار عناصر التنظيمات "الجهادية" في لبنان ومن ثم تحولهم إلى الضفة الشمالية من البحر الأبيض المتوسط؛ وهذا أمر بات يمثل هاجسًا لدول أوروبا في الفترة الأخيرة.
    وعن هذا المعنى قال سعد الحريري في كلمته: "لا يكذّبن أحد على أحد ويقول إن أيّ حرب جديدة لا سمح الله هذه المرّة ستكون أرحم أو أسرع أو أقصر. يكفّي أن نتطلّع من حولنا إلى سورية والعراق واليمن وليبيا. هذه البلاد التي صار أهلها لاجئين مشرّدين أو جثثاً عائمة على سطح البحر الأبيض المتوسط".
    ولذلك لم تبحث الوفود الأوروبية التي زارت لبنان مسألة شغور منصب الرئاسة فقط، بل كانت تركز على وضع منطقة الشمال البحرية، واحتملات تحولها إلى معبر للتوجه نحو أوروبا. فأولويات قادة أوروبا حاليًّا هو منع تفاقم أزمة اللاجئين السوريين بخاصة وتزايد أعداد المهاجرين نحو القارة العجوز.

    ثالثًا: التغيير السكاني
    إن مما تخشى منه الدول الغربية هو تزايد أعداد النازحين السوريين الذين فاق عددهم المليون، وانعكاس ذلك على التركيبة السكانية في لبنان. ورغم أن وضع اللاجئين في لبنان صعب ومزري لكنه يكفي أن يكونوا من العرب السنة حتى يتخوف الغرب ومن ورائه نصارى لبنان ويتخوف "شيعة" لبنان أيضًا من تأثير ذلك على موازين القوى في المستقبل القريب والبعيد.
    ولذلك من الأهمية بمكان أن يحافظ عملاء الغرب في لبنان على نظام الطائف بما يعنيه من توزيع صلاحيات الحكم بين النصارى و"السنة" و"الشيعة" بغض النظر عن العدد السكاني لكل "طائفة". فما يتخوف منه الغرب جاء على لسان الحريري بالقول: "بات السّؤال ينتشر، أو ينشر، علنًاً وسرّاً، حول فشل النظام والطائف، وضرورة فرط النظام وإعادة تركيبه، بينما تتسابق العراضات الميليشيوية على شاشات الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي".
    ثم ربط الحريري بين ترشيح ميشال عون وبين نظام الطائف بالقول: "بقي خيار واحد: العماد ميشال عون. هكذا بوضوح وبصراحة. خصوصاً منذ أن تبنّى حلفاؤنا في "القوات اللبنانية" ترشيحه. لكنّ الأهم أنّنا نحن والعماد عون وصلنا في حوارنا أخيرًاً إلى مكان مشترك اسمه الدولة والنظام. هو لا يريد للدولة والنظام أن يسقطا، ولا نحن نريد لهما ذلك. واتفقنا بصراحة أنّ أحدًا لن يطرح أي تعديل على النظام قبل إجماع وطني من كل اللبنانيين على هذا الطرح. وهذا كلام ينطلق من إجماعنا الذي كتبناه في دستورنا، دستور الطائف، على أنّ لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه، عربيّ الهوية والانتماء، وأنّ كلّ اللبنانيين يرفضون التجزئة والتقسيم والتوطين".

    انقسام "المستقبل"..
    هذه هي أهم الدوافع التي جعلت أميركا وفرنسا تحديدًا يتحركان من أجل اختيار رئيس للجمهورية اللبنانية بعد أكثر من سنتين من شغور المنصب. فتغير الأوضاع الإقليمية في سوريا والعراق وتداعيات ذلك على التوازنات السياسية والتركيبة الديمغرافية في لبنان، جعلت الغرب يدفع بسعد الحريري والسعودية وإيران أن يسيروا في ترشيح ميشال عون.
    لكن قرار الحريري أوجد حالة من الانقسام في "تيار المستقبل" بسبب رفض بعض نوابه اختياره لخصمهم ميشال عون، وكان أشد المعارضين لذلك هو أشرف ريفي، وزير العدل السابق، الذي قال: "ينتظرنا عهد قبل بدايته يذكرنا بممارسات نظام الوصاية الأمنية السورية". ثم وصف ما قام به الحريري بأنه "تسليم وسنواجه مهما كان الثمن" مشيراً أنه "لو كان أحد من شهدائنا الكبار موجود لما قبل بما تقومون به".
    ورغم أن هؤلاء النواب المعارضين وعلى رأسهم فؤاد السنيورة قد اتفقوا مع النواب المستقلين على تشكيل تجمع رافض لميشال عون تحت اسم "الكتلة البيضاء"، إلا أن ذلك لن يؤثر كثيرًا على عملية الانتخاب. فقرار اختيار ميشال عون أو عدم اختياره ليس بأيدي السياسيين في لبنان الذين يوهمون أنفسهم والشعب بأن حراكهم نابع من إرادتهم.

    التضحية والمكافأة..
    ورغم أن الحريري حاول أن يبدو وكأنه قام بـ"التضحية" من أجل "سلامة وأمن لبنان" لكن الحقيقة أن اتفاقه مع ميشال عون وقبولهما معًا لإملاءات الغرب ستمكن الحريري من نيل منصب رئيس الوزراء للمرة الثانية. وهذه "المكافأة" هي من ضمن التفاهمات التي عقدت بين الحريري وعون بغض النظر عن حالة الامتعاض التي صدرت من رئيس مجلس النواب نبيه بري وزعيم الدروز وليد جنبلاط الذين لم تجر استشارتهما في هذه التفاهمات.
    أما بقية التفاهمات حول الملفات الخلافية التي عقدت بين الحريري وعون ولها علاقة بالداخل اللبناني فأهمها هو تعيين قائد جديد للجيش وحاكم جديد لمصرف لبنان يكونان مقبولين من حزب الله. كما اتفق الطرفان على إبقاء قانون الستين وعدم تغيير قانون الانتخاب الذي يستلزم توافقًا وطنيًّا وقبولًا دوليًّا لما له من علاقة بتركيبة مجلس النواب والتوازنات السياسية.
    أما أكبر النقاط الخلافية التي تم الاتفاق عليها فهي:
    أولًا، عدم الخوض في موضوع سلاح حزب الله؛ لأنه موضوع مرتبط بتسوية إقليمية شاملة تشرف عليها أميركا وفرنسا.
    وثانيًا، تحييد الدولة اللبنانية بالكامل عن الأزمة السورية وعدم العودة إلى علاقات طبيعية معها إلا بعد أن تتضح نتيجة الأوضاع السياسية والعسكرية في سوريا، وهذا يعني عدم القيام بأية زيارت رسمية ورئاسية خلال هذه الفترة.

    تجار سياسة..
    إن اظهار أميركا وفرنسا عدم تدخلهما في اختيار رئيس لبنان يُراد منه إبراز أن الحراك الداخلي هو حراك سياسي ذاتي نتيجة وعي الطبقة السياسية بالمخاطر وهي تتصرف من منطلق قناعاتها، كما ذهب إلى ذلك رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع الذي قال أنه: "من المرات النادرة سيكون لنا رئيس صنع في لبنان".!
    لقد غاب عن أمثال تجار السياسة هؤلاء أن لبنان كله صنع بإرداة دولية بعد أن تم فصله عن بلاد الشام بمقتضى اتفاقية سايكس- بيكو، وهو لا يزال محكومًا بهذه الإرادة الدولية التي جرى تعديلها وفق الشروط الأميركية في اتفاقية الطائف لعام 1989. وإن وضع لبنان لن يتغير إلا إذا شاءت أميركا تغيير ذلك وفق مشروع الشرق الأوسط الكبير أو أن يأخذ المسلمون على يد أميركا ويعيدوا لبنان إلى أصله بعد أن يتحرروا من الاستعمار الغربي ويطردوه من حيث جاء.

      26
    محرم 1438هـ
    2016/10/27
    م

     

  • دولة الضرائب والمشهد السياسي في تونس 

    بسم الله الرّحمن الرّحيم

    دولة الضرائب والمشهد السياسي في تونس

        تعاقبت على تونس منذ أحداث 14 جانفي 2011 وإلى الآن سبع حكومات، كانت كلها تفتتح أعمالها بالخطب الرّنانة التي تقدّم فيها الوعود بانفراج الأزمات المتلاحقة التي أرهقت الناس وأدخلتهم في دوامة من الاضطرابات، ودفعت بهم إلى حفرة الفقر المدقع والمصير المجهول على كل المستويات (الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية...)، ولكنها لا تلبث حتى تزيد في تفاقم المشاكل وتعلن فشلها وتنسحب. وقد تواصل تخبط هذه الحكومات الواحدة تلو الأخرى نتيجة الارتهان للمستعمر الغربي، والخضوع التام لاملاءات صندوق النقد والبنك الدوليين؛ لاستجلاب رضاهم قصد الإمعان في إغراق البلاد بالقروض الأجنبية، التي تجعل من البلاد والعباد نهبًا للاستعمار الغربي تحت عنوان الاستثمار الأجنبي. وكل ذلك ناتج عن قناعة عند أشباه السياسيين في بلادنا رسّخها المستعمر الغربي في عقولهم وهي عدم القدرة على الانفكاك عن القوى الاستعمارية الغربية الأمريكية منها والأوروبية.

        والآن وقد انتصبت ما اصطلح على تسميته بـ "حكومة الوحدة الوطنية" فقد كان أول عمل قامت به بعد تلك الخطبة الرنّانة المشحونة بالوعود الكاذبة هو المصادقة على مشروع قانون المالية لسنة 2017 وإحالته إلى "مجلس نواب الشعب". والمدقق في هذا المشروع يرى أنه أقيم على قاعدة فاسدة هي: "سُبل زيادة مداخيل الدولة وإيجاد موارد جديدة للحدّ من عجز الميزانية وتوفير أموال لخزينة الدولة"، وتكاد تنحصر هذه السُّبل في الزيادة المشطّة في الضرائب وبعض الإجراءات المعلن عنها المتمثلة أساسًا في تأجيل الزيادة في الأجور لغاية سنة 2018 أو سنة 2019 حسب ظروف نسبة النموّ.  فالدولة تنظر في زيادة مداخيلها لسد العجز في الميزانية فتلجأ الى زيادة الضرائب التي تزيد من أعباء الناس البسطاء الذين ينتظرون ترفيع أجورهم والذين يشكلون الغالبية، بدل أن تنظر في واقع النظام والسياسة الاقتصادية الفاسدة برمتها والتي تزيد من فقر الفقراء، وتغلق أبواب الفساد أمام رجالات الحكم وأذنابهم من العلمانيين الذين فصلوا الدين عن الحياة، واعتقدوا بصلاحية الفكر الغربي الرأسمالي وقواعده في الحكم والاقتصاد في معالجة مشاكل الناس الحياتية.

        أما القاعدة التي يتم النظر من خلالها لبناء مشروع الميزانية والتي هي: "سُبل زيادة مداخيل الدولة وإيجاد موارد جديدة..." فإن فسادها يكمن في أنها تنظر للمشكلة الاقتصادية نظرة مقلوبة، وهي عينها النظرة الرأسمالية الفاسدة للمشكلة الاقتصادية المُعبَّر عنها "بالنّدرة النسبية للسلع والخدمات مقابل الحاجات"؛ أي عدم كفاية السلع والخدمات في الكون لاشباع حاجات الإنسان مع تجددها وتنوعها وتعددها. فكان حل المشكلة الاقتصادية عندهم هو العمل على زيادة الإنتاج للسلع والخدمات حتى تكفي أكبر قدر ممكن من حاجات الإنسان، مع إهمال النظر إلى كون حاجات الإنسان التي يتحتم إشباعها هي الحاجات الأساسية من مأكل ومشرب وملبس ومأوى، وأن المشكلة تكمن في توزيع الثروة على الناس وليس في زيادتها، ولا يصح أن يكون معدل دخل الفرد في المجتمع هو المقياس لفقر الناس وهو الذي يتأتى من قسمة دخل البلاد على عدد السكان، فمهما زاد دخل البلاد فإن ذلك لا يعني معالجة الفقر، لأن تلك الزيادة قد تدخل جيوب الأغنياء والفاسدين ولا تحل مشكلة فقر الأفراد، أي مشكلة زيد وعمرو باعتبارهم أفرادًا فقراء في المجتمع. فزيادة الإنتاج لا علاقة له بالنظام الذي يعالج العلاقات الاقتصادية بين الناس، وإنما هي من متعلقات علم الاقتصاد الذي يبحث في كيفية تنمية الثروة وزيادتها، فضلًا عما أسلفنا من أنها تعمل على تكديس الثروة ولا تُعنى بكيفية توزيعها توزيعًا عادلًا بين الناس.

        وهكذا فإن هذه الحكومة والحكومات السابقة لها لم تنظر إلى الثروة والموارد الموجودة في البلاد نظرة صحيحة ولم تعن في كيفية توزيعها بين أفراد الناس، وإنما سارت في معالجة عجز الميزانية بالضرائب؛ أي سارت في طريق سنّ قوانين لتحصيل مزيد من الضرائب بما يرهق كاهل الناس، وتركت الثروة الحقيقية والمتوفرة في البلاد نهبًا للطغمة الفاسدة والمتنفذين من أصحاب رؤوس الأموال والمحتكرين.

        وبالرغم من معاينة هؤلاء الحكام لفساد السياسة المتبعة في معالجة المشاكل، وبالرغم من الإقرار بفشل رزنامة الإصلاحات الاقتصادية التي قرّرها وفرضها صندوق النقد الدولي ـ بالرغم من ذلك كله ـ فإن الحكومة الحالية لم تستوعب الدرس من الحكومات السابقة، وإنما ظلت جامدة على ما هي عليه من كيفيات فاسدة لمعالجة المشاكل، واستمرّت تسير قُدمًا في إغراق البلاد بمزيد من الديون الأجنبية من خلال القبول بتنفيذ المرحلة الثانية من إملاءات صندوق النقد الدولي، فقد قال نائب مدير الشؤون المالية بالصندوق عبد الحق الصنهاجي في تصريح سابق لـ "وات" بتاريخ 5 تشرين الأول/أكتوبر 2016: "إن البرنامج الذي شرعت تونس في تنفيذه مع الصندوق بداية من شهر أفريل الماضي يقضي بالحدّ من النفقات العمومية غير الناجحة"، وذلك إشارة منه للتحكّم بالزيادة في الأجور سواء بإلغائها أو بتأجيلها وغلق الباب أمام الانتدابات في الوظيفة العمومية.

        فبمثل هذه السياسة يُساس الناس في بلادنا من طرف أشباه الساسة الذين غاب عنهم مفهوم الدولة باعتبارها راعية لشؤون الناس، وضامنة لإشباع حاجاتهم الأساسية، والذين فقدوا النظرة الصحيحة للثروة، إلى أن أصبحت الدولة في عرفهم مجرّد جهاز قانوني لسنّ الضرائب وجبايتها. وسيستمرّ هذا التخبّط ما داموا يتعاطون مع المشاكل من زاوية المبدأ الرأسمالي العفن ونظرته للحياة والإنسان والدولة والثروة، وسيظل الشعب في تونس يتجرّع الثمار التعسة التي يجنيها الساسة بخضوعهم لإملاءات الأجهزة الاستعمارية وفي مقدمتها صندوق النقد والبنك الدوليين.

        وللسير في هذه السياسة وإمعانًا في تضليل الناس وخداعهم يعمل القائمون على الأمر في تونس على إيهام الناس بأن البلاد على حافة الهاوية نتيجة تقلّص الموارد وخواء خزينة الدولة، كما يعملون لإطالة عمر الفساد من خلال تشكيل مشهد سياسيّ جديد قوامه التكتلات والائتلافات والجبهات، وذلك على غرار ما وقع الإعلان عنه من مثل إنشاء حزب الإرادة التابع للمنصف المرزوقي، وما يزمع إنشاؤه من جبهات كجبهة الجمهورية، وليس ذلك إلا تضليلًا للناس وأُلهيات يراد بها التمكين للفساد وإطالة عمره ودفع الناس للقبول بهم في أثوابهم الجديدة، كما أن هذه التشكلات الجديدة للمشهد السياسي يقصد بها أيضًا محاولة استباقية لمعالجة عزوف الناس المتوقع عن المشاركة في أية انتخابات قادمة. وما يلاحظ أيضًا في هذا المشهد السياسي تحالف السلطة والاتحاد العام التونسي للشغل والذي يقصد به العمل على احتواء الشارع ودفع الناس وبخاصة الشغالين الذين سيكونون أول المتضررين من هذه السياسة للقبول بتلك الإجراءات وتحمّل مسؤولية نتائج تطبيق إملاءات المؤسسات البنكية الاستعمارية.

        وأما التصريحات النارية بين قادة الاتحاد العام التونسي وممثلي الحكومة فهي مجرد ذرّ للرماد في العيون لامتصاص غضب الناس؛ لأن الاتحاد وقد انخرط في الحكومة واشترك فيها بأخذه لبعض الحقائب الوزارية لشخصيات قيادية نقابية مثل عبيد البريكي ومحمد الطرابلسي بعد أن كان أمينه العام أعلن صراحة أن الاتحاد لن يقبل الاشتراك في أية حكومة، هذا الاتحاد بوضعيته الجديدة لا يسعه إلا أن يقبل في النهاية بالإجراءات التي اعتمدتها الحكومة، وقد تكون الرسالة التي وجّهها عبيد البريكي القيادي السابق في الاتحاد ووزير الوظيفة العمومية والحَوْكَمَة حاليًّا صباح يوم الثلاثاء 18 تشرين أول/أكتوبر 2016 والتي قال فيها: "من أجّل إضراب وألغاه عندما كانت تونس مهدّدة وفيها اغتيالات ليس من الصعب عليه التفاعل إيجابيًّا مع مقترحات إنقاذ تونس" ـ قد تكون هذه الرسالة ـ تمهيدًا لطريق قبول الاتحاد بما طرحته الحكومة في مشروع قانون المالية.

        إنه مما يجب أن يُعلم أن المشكلة الحقيقية ليست في محدودية الثروة والموارد أو نقصهما، فإن الثروات التي تتوفر عليها البلاد إذا نُظر إليها نظرة صحيحة، وسُلطت عليها الأحكام الصحيحة في نظام التملك وكيفية التوزيع جديرة بأن تجعل من الدولة دولة رعاية وليست دولة جباية تتمكن من ضمان إشباع الحاجات الأساسية لكل فرد من أفراد الناس.

    أيها المسلمون من ابناء الزيتونة:

        إن ديننا الحنيف ينظر الى حل المشكلة الاقتصادية/مشكلة الفقر، بأنها تتمثل بتوزيع الثروة على أفراد المجتمع، ولذلك يقضي الشرع بضرورة سد الحاجات الأساسية من مأكل ومشرب وملبس ومأوى لكل المحتاجين بوصفهم الفردي والعمل على مساعدتهم لسد حاجاتهم الكمالية، فحاجات الإنسان الأساسية كما وردت في النصوص الشرعية (...كسرة يسد بها جوعته، أو ثوب يستر به عورته، أو حجر يأوي فيه من الحر والقر) والتي إن لم يستطع الفرد سدها بنفسه أو بالنفقة من أقاربه، فإن بيت مال المسلمين يكفيه لقوله عليه السلام: "ومن ترك كلًا أو عيالًا فعلينا". والشرع أكد على ضرورة العدالة في توزيع الثروة بأن لا يتم تداول المال بين الأغنياء دون الفقراء {كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم}. ولذلك وزع رسولنا الكريم ما غنمه في إحدى الغزوات على الفقراء دون الأغنياء، والإسلام حين فرض الزكاة جعلها من أموال الأغنياء {وفي أموالهم حق معلوم} وأعفى منها الفقراء. بخلاف الحلول الرأسمالية التي تزيد عبء الضريبة على الفقراء مساوية لهم بالأغنياء. وأحكام الإسلام تمنع الفساد ـ وهو داء مستفحل في دول العالم الرأسمالي ـ بتربية الأمة على الصلاح وإزالة التربة التي تنبت الفاسدين. وأحكام الإسلام المتعلقة بالاقتصاد وسياسته في الدولة كثيرة وعملية تعالج واقع المشاكل علاجًا جذريًّا، ولكن تلك الأحكام لا يمكن أن تنجح وتؤتي أكلها إلا إذا طبقت في إطار منظومة كاملة هي نظام الإسلام الذي يجب أن يوضع موضع التطبيق كاملًا، لأنه هو الذي يمثل عقيدة الناس، وهو الذي يجب أن تُعالج به كل المشاكل وتُساس الحياة على أساسه.

        وعليه فإننا نهيب بكل أهلنا في تونس بأن يرفضوا كل سياسة لا تقوم على أساس إسلامهم، كما نهيب بهم بأن يعملوا على وضع الإسلام موضع التطبيق الشامل، فهو النظام الذي اختاره لنا ربّ العالمين قال الله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} والدين هو العقيدة وما حدّدته من أحكام تعالج جميع مشاكل الحياة لا فرق بين أحكام الأخلاق وأحكام المعاملات ولا بين أحكام العبادات وأحكام العقوبات.

        فهلاّ حمل أبناء الزيتونة لواء الإسلام وعملوا على تطبيقه عقيدة ونظامًا للحياة؟

     }يا أيّها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يَحُول بين المرء وقبله وأنه إليه تحشرون }

    21  محرم الحرام 1438                                                                    حزب التحرير

     22 أكـتــوبـر 2016                                                      اللجنة المسؤولة ـ تونس

  • متابعة سياسية الأزمة الروسية الأميركية المفتعلة في سوريا 

     

    بسم الله الرحمن الرحيم

    متابعة سياسية
    الأزمة الروسية الأميركية المفتعلة في سوريا


    تعيش حلب هذه الأيام أكبر عملية قتل وتدمير تتعرض لها في تاريخها الحديث. ويتم تصوير ما يجري بأنه أزمة إنسانية تتعلق بتوصيل المساعدات وأزمة سياسية تتعلق بالهدنة وشروط تنفيذها. والحقيقة أن ما يجري في حلب وبقية المدن السورية هو جريمة احتلال وقتل ممنهج للمسلمين بسبب رفضهم الاستسلام لخطط الكفار في تقسيم البلد على مقتضى مشروع الشرق الأوسط الكبير.
    إن التضليل الإعلامي والدبلوماسي الذي تقوم به أميركا يجعل الرأي العام يصدق أن المجرم هو النظام السوري وروسيا وحسب. ولكن الحقيقة أن من يتولى كبر كل هذه الجرائم في سوريا هي الولايات المتحدة الأميركية.
    صحيح أن روسيا وبشار الأسد وغيرهم ممن ولغت أيديهم في دماء المسلمين قتلة ومجرمون لكن المجرم الأول المختبئ وراء الكواليس الدبلوماسية والذي يخطط لسياسة القتل والإبادة الجماعية للمسلمين في سوريا والسيرفي تقسيم البلاد هي أميركا.
    فعلى مدى ست سنوات من الحرب السورية عملت أميركا على إبقاء الصراع مستمرًا بين المعارضة والنظام من جهة في الوقت الذي سخرت فيه تنظيم داعش للصراع مع الأكراد من أجل تثبيت مشروع الكيان الكردي في الشمال السوري من جهة أخرى.
    وتحت حجة محاربة "الإرهاب" والخوف من وصول "إسلاميين متطرفين" للحكم بعد سقوط النظام عملت أميركا على إشعال نار الحرب وإدارة الأزمة حتى تحقق مخططاتها الكبرى في سوريا مستعينة في ذلك بروسيا التي جلبتها لتكون ظهيرًا لها. ومن أجل إدامة الحرب وتنفيذ مخطط التقسيم تتظاهر أميركا من حين لآخر بأن هناك خلافات عميقة بينها وبين روسيا بعد أن نجحت في حصر المحادثات معها وقامت بإقصاء أصحاب القضية من أهل البلد سواء كانوا في صف "المعارضة" أو حتى في صف "النظام".
    ويكفي أن ننظر قليلًا في الأزمة المفتعلة أخيرًا بينها وبين روسيا حتى ندرك مقدار الإجرام والتضليل الذي تمارسه أميركا على أهل المنطقة وعلى الرأي العام الدولي. هذا الأمر يبين بوضوح وبشكل لا يقبل اللبس أن الولايات المتحدة الأميركية هي من يقف خلف الأعمال الوحشية والممارسات اللاإنسانية والظلم والتدمير في حلب.
    في البداية أعلنت أميركا أنها ضربت بطريق "الخطأ" جنود بشار الأسد بالقرب من حلب، وبعدها مباشرة تعرضت شاحنات الإغاثة التابعة للأمم المتحدة للقصف من الطائرات الروسية أو طائرات الأسد. وقد نتج عن هذه الحوادث ردود أفعال "غاضبة" من قبل روسيا أولًا ثم من قبل أميركا ثانيًا، وهو ما نتج عنه انتهاء "وقف إطلاق النار" الذي استمر أسبوعًا واحدًا فقط.
    وعقب انتهاء "الهدنة" دخل التوتر الأميركي ــ الروسي مرحلة التهديد العسكري المباشر، وذلك بعد سلسلة تراشق دبلوماسي متصاعد بين البلدين، من بينها اتهام موسكو لواشنطن بدعم نشاطات "إرهابية"، وتحذيرها من "تغييرات مزلزلة" إذا ما تمت مهاجمة النظام السوري، بعد أن لوحت أميركا باحتمال شن هجمات في روسيا أو إسقاط الطائرات الروسية في سوريا.
    وأمام استمرار القصف الروسي لحلب، قال وزير الخارجية الأميركي جون كيري أنه من الصعب مواصلة المفاوضات مع روسيا، قائلًا: "نحن على وشك تعليق المحادثات لأنه بات من غير المنطقي وسط هذا القصف الذي يجري، أن نجلس ونحاول أن نأخذ الأمور بجدية".
    أما إدارة الرئيس باراك أوباما فقد أعلنت أنها تدرس"خيارات جديدة غير دبلوماسية" للرد على "التصعيد العسكري الروسي في حلب"، ولاسيما "تجميد" المحادثات مع روسيا مع التلويح بالخيار العسكري ضد نظام بشار وإمكانية تزويد المعارضة بسلاح نوعي ضد الدروع.
    إن هذه "المواجهة" الإعلامية والدبلوماسية المباشرة بين أميركا وروسيا جعلت كثيرين يتناسون جرائم الكفار وعملائهم في الحرب السورية ويتابع مسرحية "الأزمة الروسية - الأميركية". فهذ الأزمة المفتعلة بينهما ما هي إلا أسلوب جديد للضغط على المعارضة وبخاصة التي ترفض التفاوض مع بقاء النظام وعلى الشعب في سوريا من أجل القبول بالتسوية المتفق عليها بين روسيا وأميركا، ولهذا يجري التسريع بالحسم العسكري قبل نهاية العام حتى يكون ملف المفاوضات جاهزًا أمام الرئيس الأميركي القادم.
    فعندما تقول أميركا أنها على وشك "قطع المباحثات والاتصالات" مع روسيا فهذا يعني عمليًا إعطاء مزيد من الوقت لروسيا ونظام الأسد بالاستمرار في القتل والتدمير والإبادة الجماعية لأهل حلب وإدلب وحماة. بل إن الأمم المتحدة نفسها شريك في هذه الجرائم، فهي عندما تقول بأنها سوف توقف المساعدات وتعلن عن تشكيل لجنة تحقيق خاصة بحادثة استهداف قافلة الإغاثة فهذا يعني عمليًا ضرب مزيد من الحصار والتجويع لمدينة حلب وسط قصف جوي مستمر للمستشفيات ومنشآت الغذاء والكهرباء والمياه.
    ولتأكيد ما سبق، نشرت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية تسجيلًا صوتيًّا لكيري خلال لقائه وفدًا من المعارضة السورية، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة قبل أيام. واقترح الوزير خلال اللقاء مشاركة المعارضة في انتخابات تشمل الأسد، وهذا طبعًا خلاف ما واظبت عليه الإدارة الأميركية من الدعوة لتنحي الأسد.
    وفي هذا اللقاء حاول كيري تبرير سياسة واشنطن تجاه الأزمة السورية بالقول أن أميركا لا تملك حجة قانونية للتدخل عسكريًا في سوريا وأكد أن الكونغرس لن يقبل استعمال القوة في سوريا، واعتبر أن تسليح المعارضة أو الانضمام للقتال قد يؤدي إلى نتائج عكسية .
    إن أحسن من عبر عن حقيقة وغاية ما يجري في سوريا حاليَّا هو زعيم حزب الله حسن نصرالله والمشارك في سفك دماء المسلمين والذي أكد في لقائه السنوي مع قراء العزاء عشية حلول شهر محرم، قائلًا: "لا آفاق للحلول السياسية... وتبقى الكلمة الفصل للميدان"، لافتًا إلى أن "الوضع يزداد تعقيدًا، وبخاصة بعد التوتر الأميركي ــــ الروسي واستمرار أزمة الثقة بين الطرفين"، وكرر نصرالله الموقف الروسي بالقول أنه "لا توجد في سوريا معارضة مسلحة معتدلة. إما مع النصرة أو مع داعش".
    إن تصريحات جون كيري مع وفد المعارضة وتصريح زعيم حزب الله تؤكد أنه لا يوجد أي خلاف حقيقي بين روسيا وأميركا، بعد أن قبلت روسيا منذ دخولها الحرب السورية فعليًّا في 30 أيلول/سبتمبر 2015 أن تكون شرطيًّا جديدًا في المنطقة ينفذ استراتيجية أميركا مقابل الحصول على منافع اقتصادية وسياسية وعسكرية. وفي مقابل هذه المنافع الروسية تحتفظ أميركا بدور القيادة من الخلف في إعادة صياغة المنطقة جيوسياسيًّا وتحميل عبء حماية "إسرائيل" في فلسطين والجولان لروسيا.
    وما يجب أن يعلم أخيرًا أن وجود قواعد عسكرية لروسيا في سوريا أو منافع سياسية (إثبات وجود وتأثير دولي، واتصالات دولية) أو مصالح اقتصادية (حصة من غاز المتوسط ونفط سوريا وعقود السلاح) لها في الشرق الأوسط لا يشكل أي تهديد وجودي لأميركا لأن روسيا ببساطة تتبنى الرأسمالية وهي محاصرة في محيطها السوفياتي بسياسة توسع حلف الناتو وسياسة الدفاع الأطلسي المشترك.
    ولذلك لا حقيقة لما يشاع عن إمكانية التصادم بين روسيا وأميركا والتخوف من حرب عالمية جديدة.
    والحقيقة الماثلة للعيان هي الحرب على الأمة الإسلامية بتخطيط وقيادة أميركية لهدفين أولهما: إضعاف الأمة الأسلامية بزيادة تقسيم بلادها، ونهب خيراتها، وقتل رجالها، وأما ثانيهما فهو: الحرب على الإسلام من خلال الترويج للمفاهيم الغربية في الإعلام ومناهج التعليم وغيرها من الوسائل.
    والأمة الإسلامية لا بد لها من إظهار وعيها وهيبتها واندفاعها نحو تحقيق وحدتها ضد مشاريع أميركا الكافرة المجرمة وتوابعها وأدواتها، سواءٌ أكان ذلك بتحرك جيوشها نحو نصرة الإسلام والمسلمين، والتخلص من قبضة الغرب الكافر، أو بأدنى الحدود السير بأساليب تبرز رفضها وسخطها وضغطها على أذناب أميركا وأدواتها في المنطقة من مثل الإضرابات العامة وفي بلدان عديدة إن لم يكن الإضراب يشمل مواقع تواجد الأمة وفي كافة بلدانها على الأحداث التي تهز الأمة، وعلى الواقع المرير الذي تعيشه.

    غرة محرم 1438هـ
    2016/10/2
    م

  • متابعات سياسية التطورات الأخيرة في اليمن 

     بسم الله الرحمن الرحيم

     

    متابعات سياسية
    التطورات الأخيرة في اليمن

     


    أحدثت الزيارة التي قام بها وفد من جماعة أنصار الله إلى العراق يوم 29 آب/أغسطس 2016، "قلقًا كبيرًا" لدى الحكومة اليمنية المتواجدة في الرياض، والتي طالبت حكام بغداد بتوضيح عاجل لموقفهم "الغامض". أما الناطق الرسمي، لجماعة الحوثي، محمد عبد السلام، فقال: إن زيارة وفد جماعته للعراق جاء "في إطار الجهود الدبلوماسية لفتح آفاق العلاقات اليمنية مع المجتمع الإقليمي والدولي خاصة بعد تشكيل المجلس السياسي الأعلى"، مشيرًا إلى أن الزيارة جاءت "في سياق الجهود الرامية لمواجهة العدوان الغاشم على اليمن والذي يسعى إلى تغييب الحقيقة وعزل الواقع الإنساني والسياسي والاقتصادي اليمني عن العالم".
    والحقيقة أن هذه الزيارة ما كان لها أن تتم لولا أن حظيت بموافقة من أميركا وتحريض منها؛ لأنها تدخل في سياق تثبيت "شرعية" حكام صنعاء الجدد على المستوى الإقليمي والدولي، بعد أن ثبتوا وضعهم الداخلي بالإعلان عن تأسيس "المجلس السياسي الأعلى" المشكل من جماعة الحوثي وحزب المؤتمر الشعبي العام بقيادة الرئيس السابق علي عبد الله صالح.
    ومن هنا جاء لقاء وفد الحوثي بالرئيس العراقي، فؤاد معصوم ورئيس الوزراء حيدر العبادي ووزير الخارجية إبراهيم الجعفري في سياق هذا الاعتراف الإقليمي بالمجلس السياسي الأعلى. وحتى نفهم أكثر كيف تتم إدارة الأزمة والحرب في اليمن يجدر بنا أن نرى الأعمال التي يسير فيها تحالف الحوثي وصالح في صنعاء بدعم خفي من أميركا والأمم المتحدة، وعلاقة تلك الأعمال بمشروع فصل الشمال عن الجنوب.

    أولًا: المجلس السياسي الأعلى
    أعلن الحوثيون وأعوان علي صالح بتاريخ 28 تموز/يوليو 2016، عن تشكيل "مجلس سياسي أعلى" لحكم اليمن، يتألف من 10 أعضاء تمثل فيه جماعة الحوثي وحزب علي صالح بالتساوي، على أن تكون الرئاسة ومنصب نائب رئيس المجلس دورية بين حزب صالح والحوثيين. ويعتبر تشكيل هذا المجلس ضربة قاصمة لمفاوضات الكويت. ولذلك اعتبرت الحكومة اليمينة المعترف بها دوليًّا تشكيل مجلس سياسي بمثابة "انقلاب جديد" و"رصاصة الرحمة" أطلقت على المشاورات التي ترعاها الأمم المتحدة. فقد ذكر بيان للحكومة أن إعلان طرفي الانقلاب عما سموه "اتفاق تشكيل مجلس سياسي لإدارة البلاد، يعكس حالةً من الصَّلَف والغطرسة وعدم احترام المليشيا الانقلابية للأمم المتحدة، والمجتمع الدولي، والدول الراعية لمشاورات السلام الجارية في دولة الكويت".
    أما جماعة الحوثي فقد حاولت التقليل من تأثير هذه الخطوة على المفاوضات، كما ذكر ذلك الناطق الرسمي لجماعة أنصار الله ورئيس وفدها المفاوض في مشاورات الكويت، محمد عبدالسلام، الذي قال في بيان بتاريخ 28/7 أن "ليس لهذا الاتفاق أي تأثير على نقاشاتنا القائمة في دولة الكويت، فإذا توافقت الأطراف اليمنية على أي حل سياسي فإننا سنكون وكل حلفائنا في طليعة من يتبنى ذلك ويتحرك في إطاره ويدعم تنفيذه". ومع ذلك استدرك الناطق باسم الحوثيين، بأنهم لن يظلوا مكتوفي الأيدي أمام استلاب القرار ممن تسمي نفسها بالشرعية، على حد تعبيره.
    أما ردود الفعل الدولية الإقليمية على هذا الحدث فلم تتجاوز حد الاستنكار الخجول، مما يؤكد أن ما أقدم عليه الحوثي وصالح كان بترتيب مع أميركا في إطار سعيها لخلق وقائع جديدة على الأرض تدفع نحو تجاوز توصيف ما يجري في اليمن من أنه صراع بين "انقلاب" و"شرعية" إلى مجرد صراع بين أطراف داخلية حول السلطة. وهذا هو حقيقة مضمون ما يسمى بـ"خطة كيري". فالدعم الأميركي والخليجي للحوثي وصالح كان منذ سيطرتهم على اليمن في انقلاب أيلول/سبتمبر 2014في إطار خطة أميركا لتقسيم اليمن واستبعاد ما يسمونه بـ"الإسلام السياسي" من مركز القرار في الدولة، على مقتضى مشروع الشرق الأوسط الكبير.
    والدليل على أن قرار الحوثي وصالح كان بموافقة أميركية من أجل شرعنة سلطة حكام صنعاء الجدد هو أمران:
    1-
    أن إعلان المجلس السياسي الأعلى كان قبل انتهاء المفاوضات في الكويت، ورغم التنديد الظاهري الذي قامت به حكومة عبد ربه منصور هادي إلا أن وفد الشرعية ظل مستمرًا في المفاوضات مما يعد اعترافًا عمليًّا بمجلس الحكم الجديد في صنعاء. ونفس الشيء ينطبق على السعودية وبقية دول الخليج ودول التحالف العربي وما يسمى بالمجتمع الدولي الذين لم تتجاوز مواقفهم حدود مصطلحات الإدانة، مما يعتبر عمليًّا دعمًا غير صريح لمجلس الحكم الجديد في اليمن. فهؤلاء جميعًا يدركون أن عبد ربه منصور هادي لا تأثير ولا قيمة له في الداخل اليمني، وما التمسك به إلا من أجل استكمال عملية التقسيم وإضعاف تيار ما يسمونه بـ"الإسلام السياسي".
    2-
    بعد يومين من إعلان المجلس السياسي الأعلى، طالب الرئيس السابق علي عبد الله صالح بوقف الحرب وإجراء حوار مباشر مع السعودية قائلاً: "مستعدون للحوار مع السعودية ونمد أيدينا لذلك، في الكويت أو في سلطنة عمان، أو أي مكان تريده الشقيقة الكبرى". وهذا الموقف الجديد مختلف عما كان يستعمله من ألفاظ نابية ضد السعودية بعد انطلاق "عاصفة الحزم" في آذار/مارس 2015 ، وما سبق أن أعلن عنه صالح في أواخر حزيران/يونيو الماضي، من أن حزبه لن يذهب لإجراء حوار في العاصمة السعودية الرياض ولو استمرت الحرب عشرات السنين. أما الغرض من هذه الدعوة فهو الحصول على اعتراف عملي بهذا الجسم الجديد الذي وجد في صنعاء، فقد ذكر صالح، أن "المجلس السياسي" الذي تم تشكيله "سيمثل اليمن في الداخل والخارج"، ولفت إلى أن دعوته الموجهة إلى السعودية هي نيابة عن حزبه وجماعة الحوثي.

    ثانيًّا: الاعتراف الدولي والإقليمي
    ومن هنا جاءت الزيارة التي قام بها وفد الحوثي إلى العراق ضمن جولة شملت كلًّا من بيروت وطهران ومسقط، وهي تتنزل في سياق الحصول على اعتراف إقليمي بالمجلس السياسي الأعلى الذي سيعقبه لاحقًا تشكيل حكومة تمثل المنطقة الشمالية بشكل رسمي. وعندها ستتعامل دول المنطقة والعالم مع حكومتين، حكومة تمثل الشرعية ولا تحظى بإجماع على مستوى اليمن كله وهي لا تملك الأرض عمليًّا، وحكومة فرضت نفسها عسكريًّا وسياسيًّا وتتواجد في عاصمة البلاد الرسمية.
    ففي أثناء زيارة وفد الحوثي إلى العراق صرح وزير الخارجية العراقي ابراهيم الجعفري أن العراق "يساند كل خطوة دستورية وقانونية تحفظ وحدة الصف اليمني" وفقا ما نقل عنه التلفزيون العراقي. أما موقع قناة "المسيرة" التابعة للحوثيين فقد ذكر أن ابراهيم الجعفري "أشاد بالخطوة الإيجابية لتشكيل المجلس السياسي الأعلى في اليمن" وأعلن مساهمة العراق في "دعم هذه الخطوة الصحيحة"، وذكرت القناة أيضًا أن الوفد زار رئيس المجلس الأعلى الإسلامي العراقي عمار الحكيم، الذي "ثمّن المواقف التي تصدر من القوى السياسية اليمنية منذ الإعلان الدستوري إلى تشكيل الوفد التفاوضي ومن ثم إعلان المجلس السياسي الذي صادق عليه البرلمان".
    وبالإضافة إلى ذلك، يجري حديث عن اعتزام بعثة الاتحاد الأوروبي في اليمن إعادة فتح مكتبها في صنعاء حسب ما نقله رئيس "اللجنة الثورية العليا" محمد علي الحوثي عن منسقة السياسات الأوروبية في الاتحاد الأوروبي "بيتينا موشايت". وإذا ما حدث ذلك فإنه يعتبر مؤشرًا على اعتراف دولي سيحظى به المجلس السياسي والحكومة التي ستنبثق عن الاتفاق السياسي، ومن المتوقع بعد ذلك أن تتبع دول أخرى في الاتحاد الأوروبي إعادة فتح ممثلياتها بصنعاء والاعتراف بالشرعية السياسية الجديدة، وفي المقدمة موسكو التي تبدي تعاطفًا واضحًا مع حكام صنعاء الجدد.
    وقد ازداد هذا الإعتراف الدولي حضورًا وبخاصة بعد ما عرف بخريطة الطريق التي طرحها الوزير كيري في حضور وزراء خارجية السعودية والامارات، ومساعد وزير الخارجية البريطاني، وإسماعيل ولد الشيخ ممثل الامم المتحدة. فقد طالبت خطة كيري بتسليم الأسلحة الثقيلة إلى طرف ثالث دون تسميته، والانسحاب من صنعاء وتشكيل حكومة وحدة وطنية. ورغم أن هذه الخطة قوبلت بالرفض من قبل تحالف "الحوثي - صالح" لأنها لا تطالب بنزع سلاح الطرف الآخر، وتطالب الحوثي وصالح بالانسحاب من مدن مثل صنعاء وتسليم الصواريخ الباليستية خصوصًا، لكنها في الحقيقة تجاوزت مسألة "الانقلاب والشرعية" والقرار الأممي 2216 ثم وضعت كلا الطرفين على صعيد واحد من المساواة القانونية.

    ثالثًا: امتلاك التسليح النوعي
    بعد أن حصل تحالف الحوثي وصالح على الاعتراف الإقليمي والدولي من خلال تشكيل المجلس السياسي الأعلى وخطة جون كيري، تمكن هذا التحالف من الحصول على صواريخ باليستية من نوع "بركان 1"، التي ترتكز إلى صواريخ "سكود" ويصل مداها إلى 800 كيلومتر، وبوزن رأس حربي يقدر بحوالي نصف طن. وتكمن خطورة امتلاك مثل هذا النوع من الصواريخ في أنها تشكل الأسلوب الأنجع في الرد على التفوق الجوي بالإضافة إلى كونها غير مكلفة ماديًّا. وقد اتهم جون كيري، وزير الخارجية الأميركي، إيران بتزويد الحوثي وصالح بهذه الصواريخ، بينما قال متحدث باسم الرئيس هادي أن الخبراء الذين أشرفوا على تطويرها هم من "حزب الله" ومن إيران نفسها.
    إن معنى امتلاك حكام صنعاء لهذا النوع من السلاح له تبعات كثيرة بالنسبة للمفاوضات وللسعودية نفسها كما يلي:
    1-
    إن حرب اليمن بما في ذلك معركة "تحرير صنعاء" (لو حصلت) لن تنتهي من خلال الأعمال العسكرية بل بقرار سياسي من خلال المفاوضات التي وصلت إلى حد انتقلت فيه من صراع بين سلطة انقلابية وسلطة شرعية إلى خلاف بين سلطتين واحدة في صنعاء وأخرى في عدن. وإن ما أعلنه المتحدث باسم التحالف العربي العميد أحمد عسيري يوم 2016/3/17 في تصريح نقلته عنه قناة "العربية" ما يؤكد أن الحل في اليمن هو حل سياسي على مقتضى خطة أميركا في التقسيم، رغم كل هذه الأعمال العسكرية التي انطلقت مع "عاصفة الحزم". فقد صرح العميد أحمد عسيري أن "العمليات الكبرى أوشكت على الانتهاء ونتطلع لبناء مؤسسة عسكرية تؤمن أمن وسلامة اليمن وذلك بعد انتهاء عمليات التحالف باليمن"، مضيفًا أن "المرحلة المقبلة هي مرحلة إعادة الاستقرار وإعادة إعمار البلاد".
    2-
    إن امتلاك الحوثي وصالح لهذه الصواريخ البالستية سوف يجعل تكاليف الحرب ترتفع أكثر بالنسبة للسعودية داخليًّا وإقليميًّا. صحيح أن السعودية تمتلك منظومات صواريخ "باتريوت" التي نصبتها على طول حدودها الجنوبية، ونجحت حتى الآن في التصدي لهذه الصواريخ وتدميرها قبل وصولها إلى أهدافها، ولكن صواريخ باتريوت الاعتراضية مكلفة جدًا، فكل صاروخ يكلف 3 مليون دولار تقريبًا. وهذه التكاليف المالية سوف تزيد من نسبة العجز المالي الذي بدأت تعاني منه السعودية إلى درجة أنها أصبحت تتجه نحو نظام خوصصة أهم القطاعات العمومية لأول مرة في تاريخها الحديث.
    3-
    إن الحوثي وصالح قد أدخلوا السعودية في حرب استنزاف بل وتهديد مستمر للمدن السعودية في الجنوب وبخاصة نجران وعسير وجازان. وما يؤكد ذلك هو أنه تم نقل حوالي خمسة آلاف مجند يمني في صفوف قوات تابعة للرئيس عبد ربه منصور هادي من المحافظات اليمنية الجنوبية عبر ميناء عدن إلى ميناء عصب الأريتري، حيث ينخرطون في معسكرات وقواعد عسكرية أقامتها السعودية وحلفاؤها في التحالف العربي، ويتم نقلهم بعدها إلى الحدود اليمنية السعودية للتصدي لهجمات الحوثيين.

     

    رابعًا: عدم الاستقرار في الجنوب
    منذ انطلاق "عاصفة الحزم" قبل 18 شهرًا لم تستطع هذه الحملة العسكرية أن "تحرر" صنعاء أو تحدث أي تفوق عسكري حقيقي يعيد الأمور إلى ما قبل انقلاب 21 أيلول/سبتمبر2014 . وكل ما استطاعت فعله هو محاصرة الحوثي وصالح دون أن تفرض عليهم الاستسلام. أما المناطق المحررة في الجنوب وبخاصة عدن وأجزاء من تعز فهي تعيش حالة من الفوضى الأمنية بعد أن أصبحت وكرًا للمخابرات الإماراتية التي استغلت هذا الفراغ الأمني لتقوم مع المخابرات الأميركية بتفعيل دور تنظيمي القاعدة وداعش في القتل والتفجير تحت شعار الإسلام. وهذا هو عين ما يتطلبه المشروع الأميركي في التقسيم: اضعاف دور حركة الإصلاح في تعز وطردهم من عدن، تقوية نفوذ الحراك الجنوبي وأنصار الانفصال في عدن، تهميش دور حكومة عبد ربه منصور هادي واضعاف نفوذها السياسي والعسكري.
    فالتفجير الانتحاري الذي استهدف مركزًا للتجنيد يتبع "الجيش اليمني" الموالي للرئيس هادي والذي وقع في مدينة عدن نهاية شهر آب/أغسطس الماضي على يد تنظيم داعش، وأدى إلى مقتل 60 شخص على الأقل، يصب في سياق نشر الفوضى في الجنوب من أجل ايجاد رأي عام داعم للانفصال بعد أن يتم نشر اليأس بين الناس من امكانية تحرير صنعاء أو الوحدة مع الشمال. وهذا الأمر هو الذي تعمل عليه أميركا جيدًا بفضل عملائها المباشرين لحرب اليمن وبخاصة السعودية والإمارات وايران.
    وختامًا فإن تقارب موازين القوى بين طرفي الصراع في اليمن يجعل من دور الأمم المتحدة مجرد منسق للمشروع الأميركي بل "شاهد زور" يدعى الوساطة في المفاوضات وهو يعمل جديًّا من أجل تأكيد شرعية تحالف الحوثي وصالح أمام شرعية حكومة عبد ربه منصور هادي الضعيفة.
    إن ما يهم أميركا ليس هو نصرة طرف على طرف بل دفع الطرفين إلى القبول بالحل الأميركي في تقسيم اليمن واضعاف التيار الإسلامي والسيطرة على ثروات البلاد على مقتضى مشروع الشرق الأوسط الكبير.
    وإن ما يحدث في اليمن لا يختلف كثيرًا في غاياته وأهدافه عما يحدث في بقية ما يسمى بدول الربيع العربي (مصر وسوريا وليبيا وتونس)، وإن اختلفت الوسائل والأساليب. وهذا ما أكد عليه وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، يوم2016/9/9 من "إمكانية التوصل لحل عبر السبل السياسية"، في اليمن، وذلك خلال مشاركته في ندوة خاصة، عقدها مركز الدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العاصمة التركية أنقرة، مضيفًا أن "الحل في اليمن سيكون دوليًّا وليس سعوديًّا".
    وإنه من المؤسف حقًا أن تستمر أميركا المجرمة بالتحكم في مصير الأمة الإسلامية عبر أدوات رخيصة سخرتها لخدمة مصالحها، والأكثر أسفًا أن يسير كثيرٌ من أبناء الأمة خلف تلك الأدوات فيسفكوا دماءهم، ويُخربوا بيوتهم بأيديهم وأيدي الكافرين دون وعي منهم على دور تلك الأدوات المجرمة في خدمة الكفار الذين لا يرقبون في هذه الأمة إلا ولا ذمَّة، ولن ينفك عنها إذلال أعداء الله الأميركان والغرب الكافرين إلا إذا أدركت واقع الصراع في المنطقة الإسلامية، وأنه صراع بين الكفر والإسلام، وأن الكفار إنما يريدون إهلاك أبناء الأمة وزيادة تفتيت بلادها ونهب خيراتها بوسائل وأساليب مختلفة أبرزها أن يتحقق ذلك بيد أدواتها وأيدي أبناء الأمة التي آن لها أن تدرك ألاعيب الكفار ومؤامراتهم عليها، والأهم من ذلك أن تدرك أنها أمة قد شرفها الله بحمل رسالة الإسلام العظيم لتحيا بها، وتحيي أمم الارض التي يحيطها ظلام الكفر بنور الإسلام العظيم، وأن تسير في الحياة بناء على هذا الوعي وهذا الإدراك، فتعمل على تصحيح الأوضاع، وإفشال مخططات الكفار في بلادهم.

      9
    ذي الحجة 1437هـ
     2016/9/11
    م

     

  • الهجمة على الإسلام والتعديلات الأخيرة على مناهج التعليم في الأردن 

     

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الهجمة على الإسلام والتعديلات الأخيرة على مناهج التعليم في الأردن


    لقد أسفرت الدولة في الأردن عن حقيقة موقفها من الحرب المعلنة على الإسلام، واختارت الانحياز إلى أعداء الأمة في الهجمة الشرسة على الإسلام، ضاربة عرض الحائط مبدأ الأمة وعقيدتها وهويتها. حيث قامت بإجراء تعديلات على المناهج الدراسية أقصت فيها آيات وأحاديث وأحكامًا شرعية، وتعقب مقصُّ التعديل أغلب ما يدلي إلى الإسلام بسبب في هذه المناهج.
    ولم تكن هذه الخطوة وليدة لحظتها، بل سبق إجراء هذه التعديلات حملة مسعورة قادتها السفارة الأميركية تدعو إلى تعديل المناهج لتصبح أكثر "اعتدالًا" ومحرضة على المعلمين، وما تشير إليه من وجود منهاج خفي يدرسه المعلمون للطلاب بما يعكس خلفيتهم الثقافية الإسلامية، حيث جاء في وثيقة مسربة لويكيليكس صادرة عن السفارة الأميركية مؤرخة في 2009/11/10 وتحمل الرقم 09 amman2452  ما نصه : ( إن محتوى المناهج جميعها بما في ذلك الاجتماعيات واللغة العربية والتاريخ تشمل على السواء الصورة النمطية السلبية عن الديانات والتعاليم الإسلامية غير المعتدلة )، وفي موضع آخر ورد ما نصه: ( أن مادة الدراسات الإسلامية في امتحان الثانوية العامة "التوجيهي" تحتوي على إجازة قتل المرتدين والزناة. كما يعتقدون أيضاً أن المعلمين في المدارس الحكومية أصبحوا أقل اعتدالاً مما يؤدي إلى مواطنة أكثر راديكالية وأقل تسامحًا.( 
    وفي تقرير المناهج الدراسية ودورها في احترام الآخر الصادر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن والتي ألقاها المطران مارون لحام في مؤتمر التحديات التي تواجه "المسيحيين" العرب المنعقد في عمّان في 2013/9/4، جاء ما نصه: (المثل الثاني: المناهج المعدّلة، قامت وزارة التربية والتعليم بتغيير المناهج للصفوف الثلاثة الأولى: لكنّها ما زالت تربي على العنف واستخدام الدين استخدامًا خاطئًا: مثال على ذلك ما جاء في كتاب اللغة العربية، الجزء الثاني، الصف الثالث الأساسي، المعدّل، فتحت عنوان: اقرأ واستمتع: "نقل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بعد توليه الخلافة، أنه قال: إذا رأيتم فيَّ اعوجاجًا، فقوّموني، فقام رجل، وقال لعمر، والله لو رأينا فيك اعوجاجًا، لقوّمناك بسيوفنا، فقال عمر، الحمد لله الذي جعل في أمة محمّد من يقوّم عمر بسيفه". فلم لا نربي أبناءنا وبناتنا على عقلية "الحوار والأخذ والعطاء الفكريين، بدل أن نعملهم الأخذ بالسيف لكل من يخالفنا الرأي؟). والتقرير حافلٌ بمطالب تعديل المنهاج الدراسي وإعطاء مساحة أوسع للفكر النصراني للدخول إلى المناهج، والكف عن اعتبار النصارى من "الأقليات" بل من "المكونات"!!
    وكان لهذه الوثيقة المسربة وما تضمنتها من تعليمات، والتقرير الذي صدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن، والدراسات التي أعدها علمانيون حاقدون باحتواء المناهج على أفكار "داعشية" في إشارة إلى النصوص الإسلامية، دورٌ بارزٌ في إلهام حفنة من الكتاب الصحفيين العلمانيين، لشن هجمة شرسة على المحتوى الإسلامي في مناهج التعليم، رغم أن المناهج مؤسسة في الأصل على فكرة فصل الدين عن الحياة، ولكنه يسوؤهم أن تحوي هذه المناهج بعض الآيات والأحاديث، والأفكار والأحكام الإسلامية، فكان لا بد من "تطهير" المناهج من هذه "المظاهر" الإسلامية، واجتثاث كل ما يتصل بالإسلام من جذوره، وتعزيز قيم العلمانية والحضارة الغربية التي لها حضور واضح ومميز في كتب التربية الوطنية، ونفض "الغبار" الكثيف عن هذه المناهج على حد تعبير كاتبة علمانية.
    إن هذه الحملة التي تشنها هذه الأقلام المسعورة ليست منفصلة أبدًا عن الهجمة الدولية تحت قيادة أميركا على الإسلام والعالم الإسلامي، بل هي جزء من هذه الهجمة الشرسة، التي تريد فصل ارتباط الأمة بعقيدتها وهويتها، وتجفيف منابعها، فليس الأمر مقتصرًا على مناهج التعليم، وإن كانت الأبرز، بل يشمل ذلك أيضًا المساجد، وتعزيز سبل الرقابة عليها، والإعلام وطبيعة المواضيع التي يتناولها والقضايا التي يعالجها، في خطة شاملة ودقيقة، تهدف إلى أن يعتنق الناس "الدين الأميركي" والذي تسميه بحسب مؤسسة راند بـ"الإسلام الديموقراطي المدني"، وهو ما يسمونه بـ"الإسلام المعتدل"!، وهو يعني إفراغ الإسلام من مضمونه، وجعل أفكار الحضارة الغربية من ديمقراطية وتعددية وحريات عامة وحرية اقتصادية هي المضمون لهذا "الدين الجديد".

    أيها المسلمون..
    أمام هذا الهدف الفظيع لابد لنا من اليقظة وإدراك حقيقة ما يدبِّره لنا الكفار وأتباعهم. ثم إننا مَدْعُوّون اليوم للدفاع عن عقيدتنا وديننا، وعن وجودنا كأمة؛ لأن الأمم تبقى ببقاء عقائدها وتزول بزوالها. لقد آن أوان المفاصَلة بين الحق والباطل وبين الهدى والضلال وبقاء دين الله أو القضاء عليه. فأميركا والغرب الكافر، وحكامنا، ومَن حولهم من سياسيين ومفكرين ورجال اقتصاد وإعلام وغيرهم من المضبوعين بالرأسمالية والمفتونين بطريقتها في العيش، وكل المنادين بـ"الدين الجديد" في خندق واحد هو خندق الباطل، والواعون المخلِصون من حَمَلة الدعوة الإسلامية ومعهم كل الغيورين على دينهم من أبناء الأمة الإسلامية في خندق الحق.
    وإنها لمعركة فاصلة يتقرر فيها مصيرنا، إذ ليس بعدها إلا الحياة وعزة الدنيا والآخرة، أو الموت وخزي الداريْن لا قَدَّر الله. فكل مسلم مؤمن بالله ورسوله، وبالدين الذي جاء به محمد _صلى الله عليه وسلم_، مطالَب اليوم بالوقوف في خندق الحق، ولا خيار له في ذلك؛ لأنه لا مجال في هذه المعركة المصيرية للوقوف على الحياد.
    ولا شك في أن خطر الفناء سيظل يتهددنا ما بقينا كالغنم السائبة بلا راعٍ يحميها ويَذُبّ عنها العوادي. والإسلام قد حدّد لنا راعينا، وبيّن أنه خليفة نبايعه على العمل بكتاب الله وسنّة رسوله.

    أيها المسلمون في الأردن..
    إن الدول تهاب الرأي العام، وتحسب له ألف حساب، والرأي العام يجب أن يكون ضد هذه الإجراءات التي تستهدف ضرب الإسلام وإخراجه من حياة المسلمين، ولا بد أن يتحول هذا الرأي العام إلى قوة حقيقية وخطوات عملية، حتى لو أدى ذلك إلى الإضراب عن الدراسة، وعدم إرسال أولادنا إلى المدارس ليدرسوا هذه المناهج التي تعلي من قيم حضارة عدونا الغرب الكافر، وتنال من أفكار وأحكام الإسلام وتشريعاته.
    وعلينا كذلك مقاطعة ومهاجمة كل الفئات التي انخرطت في هذا المشروع من صحف وإعلاميين، ومن خبراء تربويين، وموظفين حكوميين، وكشفهم بالاسم حتى يكونوا منبوذين من الأمة. بل وملاحقتهم إعلاميًّا وقضائيًّا بجريمة التهجم على الإسلام والدعوة إلى الكفر الصراح.
    وعلى المعلمين عدم تدريس هذه التعديلات، أو أي حكم لا ينبثق من العقيدة الإسلامية، أو أي فكر يخالفها، وأن يكون الرد على تعديلاتهم العض على الإسلام وأحكامه بالنواجذ.

      }
    يريدون أن يطفئوا نورالله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون }

     7
    ذي الحجة 1437هـ

     2016/9/9م

    حزب التحرير
    ولاية الأردن

  • الفساد وأزمة المياه في تونس 

    بسم الله الرحمن الرّحيم

    الفساد وأزمة المياه في تونس


    ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ
    اجتاحت بعض المناطق في تونس موجة تقطّعات على مستوى التزويد بالمياه الصالحة للشرب، وقد شملت هذه الموجة ولاية قفصة وبعض مناطقها مثل منطقة العسّالة والدّوالي وحي الشّباب والتي دامت لأكثر من أسبوع، على مستوى داخل المدينة، وكذلك في أحوازها على غرار منطقة أم العرائس والمظيلة. كما عاشت عديد الولايات الأخرى في تونس نفس المشاكل مثل ولايات نابل وسليانة ومدنين وجندوبة وبعض مناطق ولاية منوبة، مما نتج عنها موجات سخط من أهالي تلك المناطق احتجاجًا على تعطيل مصالحهم الحيوية بسبب غياب الانتظام في التزويد بالمياه.
    هذا وقد بررت (الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه ـ الصوناد ـ) أسباب الاضطرابات في توزيع الماء الصالح للشرب في عدة مناطق بتقلص الموارد المائية نتيجة الجفاف الذي تشهده البلاد، وارتفاع نسب استعمال المياه في أوقات الذروة، كما أكدت على وجود عجز في الموارد المائية السطحية، وعلى الانخفاض المتواصل لمنسوب الآبار العميقة المزوِّدة وقلة الموارد المائية المتاحة لبقية مناطق البلاد وسطًا وجنوبًا، الشيء الذي يمنعها من مواصلة تأمين الانتظام في تزويد مناطق الشمال التونسي بخاصة بالمياه الصالحة للشرب. وفي نفس السياق أكد وزير الفلاحة السابق سعد الصدّيق على أنه في حالة إذا لم تشهد البلاد نزولًا للأمطار إلى حدود شهر أيلول/سبتمبر فستكون الحالة كارثية وستضطر الدولة لتقسيط الريّ وتسجيل انقطاعات في تدفق مياه الشرب بشكل أكبر.
    إن الأزمة التي يعاني منها الناس اليوم ليست أزمة قلّة موارد وإنّما هي أزمة فساد حكم وغياب رعاية، فحاجة البلاد من المياه سنويًّا لا تتعدّى خمسة مليارات متر مكعب، وهو أقل بكثير من معدّل محاصيل الأمطار في السنة الواحدة الذي يبلغ 36 مليار متر مكعب، والمتاح منها للتعبئة لا يتجاوز 4,66 مليار متر مكعّب. وكذلك الموارد المائية الجوفية في الجنوب فهي لوحدها تبلغ 2,18 مليار متر مكعب، والمتاح منها 0,61 مليار متر مكعب فقط، وهي تصرف على السيّاح وأصحاب المال تحت الحماية المباشرة للدّولة، فالاستهلاك السنوي للفرد الواحد يقدّر بنسبة 167 متر مكعب، وهي نسبة أقلّ بكثير من حصّته المقدّرة حسب وزارة الفلاحة بـ 450 متر مكعّب في السّنة. وفي المقابل فإن هذه المياه تهدر على السّائح الأجنبي الذي يستهلك معدّل 490 لترًا من الماء في اليوم الواحد ـ شربًا واستحمامًا ـ على حساب معاناة مناطق كاملة من العطش يوميًّا.
    أمّا بالنسبة للمياه المعدنيّة، فإن البلاد تتوفر على ثروة هائلة تتمثّل في المئات من العيون الطبيعية المنتشرة على كامل مساحتها من شمالها الى جنوبها، غير أن عائدات هذه الثروة تذهب الى جيوب أصحاب رؤوس الأموال، وهي تتعرّض للاستنزاف والتّدمير من أجل الحصول على الثّراء السريع والفاحش، حيث بلغ الإنتاج السنوي مليارًا و100 مليون لتر في سنة 2013 وشهد ارتفاعًا الى مليار و406 مليون لتر سنة 2015 وحدها. وهذه الثّروة المائيّة تتنافس عليها أكثر من 28 شركة، إلى جانب وجود خمسة مشاريع أخرى مستقبلية بطاقة انتاج تقدر بــ 57600 قارورة في السّاعة. كما برمج الديوان الوطني للمياه المعدنية لأكثر من 49 مشروعًا لتعليب المياه. فضلًا عن الجزء الكبير الذي يصدّر خارج البلد نحو إفريقيا وأوروبا في الوقت الذي تعاني فيه عدّة مناطق من العطش.
    فهذه الأرقام الحقيقية تشهد على توفر البلاد على كميات هائلة من المياه، كما تشهد على التضليل المتعمّد الذي يمارسه الحكام والمتنفذين بادعائهم الباطل أن تونس تشهد تقلصًا في نسب المياه. فعوض العمل والسهر على توفير المياه للناس في بيوتهم، وللفلاحين في أراضيهم، تطلب الدولة من الفلاحين التقليل من المساحات السقوية المخصصة للزراعة، بما يعرّض البلاد والعباد لأزمات أخرى أكثر شدّة على مستوى معيشتهم وقوتهم مما يضعهم تحت رحمة مزايدات أصحاب رؤوس الأموال والأسواق العالمية.
    هذه هي سياسة الدّولة، سياسة قائمة على مرجعيّة فاسدة ونظام رأسمالي جشع يصنع الفقر والبؤس والاحتياج، وهذه المرجعية تستهدف بالأساس مقدّرات البلاد والعباد. والذي يجب الوعي عليه هو أن هذه الحالة البائسة التي آلت إليها البلاد لا تكمن في فساد أشخاص أو حكومات كما يروّجون له، فالحكومات في تونس ليست سوى مجرّد أدوات لخدمة هذا النّظام فلا يعتقد خروج تونس من أزمتها الحاليّة فقط بمجرّد قدوم رئيس حكومة جديد، وللعلم فإن "يوسف الشاهد" هذا كان مكلّفًا بمهام في قسم الخدمات الزراعية الخارجيّة في السفارة الأميركيّة في تونس، وهو المؤيّد لحريّة العمل الفلاحي ورفع يد الدّولة عن هذا المجال لصالح الاستثمار الأجنبي حسب إملاءات صندوق النّقد الدّولي، وهو من سيشرف عمليًّا أيضًا على ضرب القطاعات الحيّة للتفريط فيها للمستعمر كخصخصة (الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه والشركة التونسية للكهرباء والغاز والشركة التونسية لتكرير النفط) والأراضي الفلاحية التي سيقع كراؤها للمستثمرين الأجانب لمدة عشرين سنة قابلة للتجديد.
    وهكذا بات من الواضح أنّ ما تمرّ به بعض ولايات البلاد من أزمة المياه ليس سوى خطوة أخرى لتنفيذ مخطّطات الغرب الكافر لضرب مقدّرات البلاد وطرحها للخصخصة بعد التأكيد على عجز الدّولة عن إدارتها. فبعد سير حكّامنا في التفريط في المجال الصناعي والصحّي والتعليمي يأتي اليوم الدّور على المجال الفلاحي الذي يعتبر أهم المجالات المستهلكة للمياه وذلك بنسبة تفوق 80 % من جملة استهلاك كافة القطاعات، وهو استكمال في السير على ما صادقوا عليه في اتفاقيّة التبادل الحرّ بين تونس والاتّحاد الأوروبي بشكل معمّق وموسّع في شهر نيسان/أفريل 2016، والتي بموجبها ترفع الدّولة يدها عن دعم الفلاحين وتوفير الإمكانات اللاّزمة لهم، بل وفتح الأبواب للشركات الغربيّة مع تمتيعهم بكافّة الامتيازات الجبائيّة، وذلك خضوعًا للإملاءات الاستعماريّة لصندوق النقد والبنك الدوليين، وكلّ ذلك باسم الاستثمار والتّشغيل وانعاش الحياة الاقتصاديّة. وبالتالي كلّ الأخبار التي تروّجها الدّولة بخصوص الشحّ في الموارد المائيّة، وإقبال البلد على موجة من العطش ليس سوى تضليل للشعب لدفع الفلّاحين للتخلّي عن أراضيهم بعد عدم قدرتهم على مواكبة السياسة المتّبعة من الدّولة. وكذلك حتى لا تنكشف عمالة هؤلاء الحكّام لأسيادهم على حساب أهل البلد إزاء التفريط في الأراضي الفلاحيّة وتبيان عدم قدرتهم على إدارتها أمام النّاس بعد تعمّدهم إيجاد هذه الاضطرابات، والوزير الجديد المعيّن على رأس وزارة الفلاحة سيزيد الطين بلّة لعدم علاقته بالفلاحة والفلاحين.
    وعليه فلا بدّ من رفض هذه السياسة، والوقوف بوجهها ببيان زيفها وكشف عورة الحكام والمتنفذين والذي يتمترسون وراءها لتضليل الناس بها. فخيرات البلاد المنهوبة من الفاسدين والمفسدين تكفي لمعالجة الاختلالات الاقتصاديّة التي تستغلّها المؤسّسات الدّوليّة لفرض أجندتها على البلد، وبالتالي لا بدّ من وضع الحواجز الكثيفة أمام التدخّل الخارجي في شؤون الاقتصاد المحلّي، وأن يتمّ استبعاد جميع العناصر الفاسدة من الدّولة، ولا يكون ذلك إلّا بإزاحة هذا النظام المطبق من جذوره، وإحلال أحكام الإسلام ومعالجاته لتطبق في الحياة والدّولة والمجتمع تطبيقًا انقلابيًّا شاملًا؛ لأنّ الدّولة في الإسلام هي المسؤولة عن رعاية شؤون الناس، وليس ذلك منّة من الدّولة أو من رئيسها بل هو واجب شرعي عليها عملًا بحديث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم "كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيّته، والإمام راع وهو مسؤول عن رعيّته...". فمن واجبها أن تقوم برعاية شؤون النّاس في جميع المجالات، فهي التي تشرف على القطاع المائي باعتباره ملكيّة عامّة كما بيّن الرسول صلّى الله عليه وسلّم "الناس شركاء في ثلاث، الماء الكلأ والنار" وبالتالي يحرّم عليها شرعًا أن تمتلك الثروة المائية أو تملّكها للأفراد بغاية الربح المادي مثلما هو مشهود حاليًّا مع (الشركة الوطنيّة لاستغلال وتوزيع المياه)، ويكون مجال تدخّلها هو الإشراف على استخراج هذه الثّروة لا غير وذلك تحت جهاز إدارة المصالح. كما أنها هي التي تشرف على المجال الزراعي وذلك عن طريق دعم الفلّاح وتوفير كلّ الإمكانيات الماديّة له لتمكينه من استصلاح الأرض مع توفير البنية التّحتية للتصنيع الزراعي حتى لا يذهب فائض الإنتاج هدرًا.
    وفي ظل غياب الدّولة التي تتقي الله تعالى في الناس وتحسن رعاية شؤونهم، تحكّمت فينا هذه الأنظمة التي صنعها الغرب الكافر لتثبيت الأوضاع التي أوجدها في بلاد المسلمين، وذلك للحيلولة دون انعتاقها من ربقة سيطرته. ولذلك فإنّ ما يعانيه الناس اليوم من شقاء مردّه هذه السياسة المرتهنة للغرب الكافر والتي ينتهجها هؤلاء الحكّام ومن معهم من طبقة سياسيّة فاسدة وإعلام مأجور يروّج لتضليلهم همّهم الوحيد الاستحواذ على ثروات البلاد لمنفعتهم الخاصّة على حساب شقاء النّاس.
    ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾

      19 ذي القعدة 1437 هـ
      22
    أوت 2016

     


    اللجنة المسؤولة
    لحزب التحرير- بتونس

     

  • محاولة الانقلاب في تركيا 

     بسم الله الرحمن الرحيم

    التعليق السياسي
    محاولة الانقلاب في تركيا

     

    تعرضت تركيا ليل 15 تموز/ يوليو، إلى محاولة انقلابية فاشلة استمرت لمدة ساعات معدودة. وكان واضحًا منذ البداية أن هذه الحركة الإنقلابية لم تكن تحظى بدعم من هيئة رئاسة الأركان ولا من قطاعات الجيش بشكل عام. فقد قام قادة الإنقلاب الذين كان معظمهم من متوسطي الضباط باحتجاز رئيس الأركان خلوصي أكار وحاولوا إجباره على تبني الإنقلاب عبر قراءة بيانهم الإنقلابي لكنه رفض. كما أن سيطرة الانقلابيين على مؤسسات الدولة والمناطق الحساسة وبخاصة في أنقرة واسطنبول كانت بطيئة جدًا وغير كافية لوضع مفاصل الدولة تحت سيطرتهم.
    والانقلابيون لم يشلوا حركة الوسط السياسي فضلًا عن قيادات الجيش المؤثرة، بل كان الرئيس أردوغان الذي يحظى وحزبه بشعبية واسعة حرًا طليقًا، هو ورئيس وزرائه بن علي يلدريم ووزير داخليته ورئيس البرلمان إسماعيل قهرمان وغيرهم من الوزراء، وكانوا جميعًا على صلة بوسائل الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.
    وعليه فالانقلاب الذي لم يكن يملك القوى الكافية لبسط سيطرة حقيقية على مفاصل الدولة، وبخاصة الأجهزة التي تمثل القوى المادية كالجيش على وجه الخصوص، وترك الوسط السياسي طليقًا وقادرًا على الحركة، فضلًا عن عدم تهيئة الرأي العام لاحتضان الإنقلابيين, إن مثل هذا الانقلاب ليس محكومًا عليه بالفشل فحسب بل إن الفشل جرى التخطيط له.
    وحتى يتم إدراك واقع الإنقلاب بصورة أوضح كان لا بد من فهم الظروف التي سبقت الحدث الإنقلابي، وما هي الأهداف التي يراد تحقيقها من التخطيط لحصول الانقلاب الذي يحمل بذور فشله؟
    لقد سبق حصول الإنقلاب وخلال فترة شهر تقريبًا، بعض التصرفات والتنازلات اللافتة للنظر من قبل الرئيس أردوغان، ومن ذلك اعتذاره عن إسقاط الطائرة الروسية، واتفاقه مع كيان "يهود" على إنهاء القضايا العالقة وإعادة تطبيع العلاقات معه، والحديث عن إمكانية إعادة العلاقات مع النظام السوري، وما قد يترتب على ذلك تلقائيًا من انعكاسات على نشأة كيان كردي في شمال سوريا، بداعي الاحترام لسيادة النظام وترك السوريين يختارون ما يناسبهم من حلول.
    كما بثت مواقع التواصل الاجتماعي صورًا له ولزوجته المحجبة على مائدة الإفطار في رمضان والتي دعا إليها بعض المتحولين جنسيًا وعدد من الفنانين ليثبت تمسكه بالعلمانية؛ أي فصل الدين عن الدولة، حتى ولو جرَّ عليه ذلك تلويث سمعته عند المتدينين.
    كما جاءت المحاولة الإنقلابية قبل توقيت مهم وهو اجتماع مجلس الشورى العسكري الأعلى، وما سيتخذه من قرارات تتعلق بخصوص الكيان الموازي في الجيش. فقد كان مجلس الشورى العسكري الأعلى يعتزم عزل وإحالة ما بين 300-400 ضابط محسوبين على تنظيم فتح الله غولن، على التقاعد.
    ومن المعلوم أن الجيش التركي؛ حامي العلمانية دستوريًا، قد شهدت قياداته إقالات ومحاكمات في عهد أردوغان ساهمت في إضعاف إمكانيات تدخله في تصرفات الدولة أو ما يعبر عنه بالحياة المدنية، وهو ما ينسجم مع المساعي الأميركية بإنهاء دور الجيش التركي من التدخل في الحياة المدنية، وإبراز دور الشعوب في الحياة السياسية حسب مشروع الشرق الأوسط الكبير.
    وعليه فإنه في ظل هذه الظروف التي تم فيها رضوخ أردوغان لتنازلات سياسية وتأكيد مساره العلماني، كان لا بد من تركيز قبضته على الجيش، وتوسيع شعبيته، وإزالة أية عوائق تحول دون قدرته على تنفيذ ما تطلبه الإدارة الأميركية منه، ومن تلك العوائق إعادة هيكلة الجيش التركي لإنهاء إمكانية تدخله في الحياة المدنية كما أسلفنا، وتخفيض تعداده لتلبية متطلبات انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي حيث تدفع أميركا تركيا دفعًا للانضمام إليه لتحقيق غايتها من زيادة السيطرة عليه والتحكم في مستقبله.
    أما الأداة التي استعملت بشكل أساسي وقودًا للحدث فهي جماعة فتح الله غولن، الذي يمثل خصمًا سياسيًا وندًا لأردوغان والذي تحتضنه الإدارة الأميركية في منفاه الاختياري في بنسلفانيا في الولايات المتحدة الأميركية.
    ويبدو أن الضباط الانقلابيين والموالين في معظمهم لفتح الله غولن قد تم التغرير بهم بضرورة القيام بحركتهم الاستباقية قبل إنهاء خدمتهم من قبل مجلس الشورى العسكري، فضلًا عن الإغراء بمناصب حال نجاح الإنقلاب.
    ومن الجدير بالذكر أن جماعة فتح الله غولن التي طالت الاعتقالات عددًا كبيرًا من أعضائها وأنصارها بعد الإنقلاب، وهي ما كان يطلق عليها الكيان الموازي، كان لا يزال لهم وجود في بعض قطاعات الجيش بعد أن نجح حزب العدالة والتنمية في إضعاف وجودهم في جهازي الشرطة والقضاء وحتى في أهم وسائل الإعلام. ولم يبق لهذه الجماعة من وجود إلا في بعض مؤسسات الجيش وبخاصة في سلاح الجو الذي مثل الأداة الفعلية في القيام بهذه المحاولة الإنقلابية بعد أن قام بقصف جوي لمقرات قوات الدرك الوطني والبرلمان في أنقرة ومقر قوات مكافحة الشغب في اسطنبول، بالإضافة إلى بعض الموالين في الجيش الأول والجندرمة وهو ما مكنهم من إنزال بعض الدبابات على جسري البوسفور وفي مطار أتاتورك وميدان تقسيم ومنطقة الأمنيات في فاتح ومقر التلفزيون الرسمي حيث أجبرت المذيعة على قراءة بيان الإنقلاب.
    والآن وبعد أن ظهر فشل الإنقلاب فإن المؤسسة العسكرية بخاصة مقبلة على عملية تطهير واسعة ولم يسبق لها مثيل ستطال كل العناصر الموالية للكيان الموازي إضافة إلى غيرهم ممن لا يراد بقاؤهم فيها وبخاصة من الرتب العالية ، وقد صرَّح رجب طيب أردوغان نفسه في مطار اسطنبول بعد ساعات من حصول الانقلاب قائلًا: "هذا التمرد سيؤدي إلى تنظيف الجيش التركي". ومنذ الليلة الأولى للإنقلاب وعمليات الإعتقال في صفوف الجيش قد طالت الآلاف حتى الآن، وذكر أن منهم ما يقارب النصف لا علاقة لهم بالمحاولة الانقلابية من بينهم مجموعة من الجنرالات. كما طالت الاعتقالات أكثر من ألفين من جهاز القضاء والادعاء العام استكمالًا لما سبق أن جرى من حملات اعتقال داخل هذا الجهاز.
    وخلاصة القول إن أردوغان سيخرج أقوى بعد هذا الإنقلاب الذي حمل بذور فشله، وستتعزز قبضته على مقاليد السلطة وقد يجري توسيع صلاحياته إذا صوت البرلمان التركي على تحويل الجمهورية إلى النظام الرئاسي، وسيكون بمقدوره بعد تصفية خصومه وإبعاد خطر ما تبقى من الرموز الأساسية في المؤسسة العسكرية، والذين جرى اعتقال بعضهم بعد الإنقلاب أن يتحرك بشكل أكثر فاعلية محليًا وإقليميًا ودوليًا بما يخدم تنفيذ مخططات ومشاريع أميركا التي عادت طائراتها للإنطلاق من القواعد التركية في ديار بكر وإنجرليك وغيرها بعد يوم واحد من إعلان فشل الإنقلاب.
    أيها المسلمون..
    إن دولة بحجم تركيا، يظهر فيها كل هذا التأييد لحاكم لمجرد إطلاقه لشعارات إسلامية وإبرازه لبعض المظاهر الدينية، وهو يدرك أن الأمة الإسلامية يمكن أن تلتف حوله وتشكل سندًا قويًا له إن قام بتطبيق شرع الله، ومع ذلك يظهر تمسكه بالعلمانية إنما هو حاكم ما زال على نهج غيره من الحكام الذين يبعدون دور الأمة والاستناد إليها وهي تبدي استجابتها عمليًا ومن دون أي تحفظ لكل ما يمت لدينها بصلة، وتبدي استعدادها للتضحية من أجله بالمهج والأرواح.
    أيها المسلمون..
    لقد تم استغلال الانقلاب للترويج بشكل واسع إعلاميًا لشكل الحكم العلماني الديموقراطي ودوره الإيجابي في حياة الشعوب، حيث تم تصوير اصطفاف أحزاب المعارضة السياسية مع بقاء أردوغان ورفضها للإنقلاب عليه باعتباره حاكمًا منتخبًا من قبل الشعب، رغم أن معظم قيادات تلك الأحزاب غير نظيفة أصلًا لولائها لأميركا والغرب الكافرين وللفكر الغربي العفن، وتم اعتبار ذلك انتصارًا من الشعب التركي للنظام العلماني الديموقراطي، رغم أن من نزلوا إلى الشوارع ومن انتخبوا أردوغان أصلًا إنما انتخبوه لاتصال خطه بالإسلام بإظهاره لبعض الشعارات الإسلامية، وإبراز بعض معالم التدين مع المحافظة على علمانية النظام.
    لقد آن لأردوغان وغيره من حكام بلاد المسلمين أن يتنحوا جانبًا قبل أن يأتي اليوم الذي تنحيهم فيه الأمة، وبخاصة بعد أن رأوا بأم أعينهم كيف داست أميركا على خدمات أقرانهم منذ عهد قريب ورمتهم إلى مزابل التاريخ بعد أن استنفدت حاجتها لخدماتهم وبخاصة في إرضاخ الأمة وإذلالها وكسر شهامات رجالها وإبعادها عن مكامن عزتها. أو أن يتخذوا قرارًا حاسمًا وجريئًا في ترك الولاء لأميركا وللغرب الكافرين والاستناد إلى قوى الأمة والانحياز لها .
    أيها المسلمون في تركيا..
    إننا نحذركم من الوقوع في التضليل، فتوقع بكم أميركا وأذنابها في هاوية الانقسام العرقي والطائفي، ونذكركم أن ما ينجيكم من مشاريع أميركا التي تستهدف إضعاف الأمة إنما هو التمسك بالعمل لتطبيق الإسلام والضغط على أردوغان وغيره للرضوخ لإرادتكم.
    ولا يغرنكم ما يظهره أردوغان من عدم الولاء لأميركا، فهو من ترك أهل سوريا المسلمين يُقتلون بالجملة وقبل التدخل الروسي بسنوات دون أن يعمل على إنقاذهم رغم قدرته على منع ذلك، وهو من فتح الحدود على مصراعيها لإدخال شباب الأمة الممتلئين حماسًا لخدمة إسلامهم والتضحية من أجله لأرض الخلافة المزيفة للقضاء عليهم، وهو من أعاد فتح مطاراته العسكرية لتنطلق منها طائرات أميركا لضرب المسلمين في سوريا، وهو من أعاد تطبيع علاقاته مع يهود، وهو ما يمكن أن يعيد علاقاته مع النظام السوري ويترك أميركا تقسم سوريا بدعوى عدم التدخل في شؤون البلدان الأخرى مما سيجر لتقسيم تركيا لا قدر الله وهو ما عملت وتعمل له في بلدان المنطقة الإسلامية.
    أيها المسلمون..
    أيها الضباط وكل من له تأثير في هذه الأمة..
    لقد شاهدتم بأم أعينكم وبشكل أكثر وضوحًا من أي وقت مضى عداء أميركا والغرب الكافرين لكم ولإسلامكم الذي عمدوا إلى تشويهه بمختلف السبل لتنفيركم منه لإدراكهم أنه مكمن قوتكم وعزتكم. فقد أوقعت الفتنة والعداوة بين أبنائكم، وخططت ونفذت وما تزال تنفذ أهداف مشروعها القذر (الشرق الأوسط الكبير) الذي أبصرتم تفاصيله، حيث جرى ويجري تدمير قدرات الأمة وتفكيك بلدانها المقسمة أصلًا على أسس مذهبية وعرقية وتدمير جيوشها وقتل أبنائها بعشرات الآلاف في كل عام، وهي تدعم كل ذلك بالمال والسلاح مباشرة أو عن طريق أدواتها من حكام المنطقة وأذنابهم.
    فهلا أقبلتم على ربكم، وحزمتم أمركم؛ لتنهوا هذه المهازل التي عاشتها وتعيشها الأمة بعملكم مع المخلصين لتحكيم شرع الله، وإنقاذ أنفسكم من إذلال أعدائكم، ومن نار جهنم لتقصيركم بتطبيق شرع ربكم وحمل رسالته لإنقاذ أمم الأرض من ظلمات الكفر العلماني الذي هيمن على العالم إلى نور الإسلام العظيم.

    {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم، واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون}
      12
    شوال 1437هـ
    2016/7/17
    م

    حزب التحرير

  • تفجير الكرادة في بغداد 

    بسم الله الرحمن الرحيم

     

    متابعات سياسية

    تفجير الكرادة في بغداد

     

    حيثيات التفجير
    في فجر يوم 2016/7/3 وقعت تفجيرات كبيرة في حي الكرادة ببغداد أودت بحياة أكثر من 300 شخص وجرح أكثر من 250 آخرين. وقد كان واضحًا أن من قام بهذه العملية أراد استهداف أكبر عدد ممكن من الناس؛ لأن التفجيرات وقعت في شارع تجاري مكتظ بالمدنيين كانوا يستعدون لشراء لوازم العيد. ولم تمض ساعات حتى أعلن تنظيم الدولة مسؤوليته عن تفجير الكرادة الذي يُعتبر من أكثر الأعمال تدميرًا في البلاد منذ غزو العراق عام 2003.
    والمدقق في هذا التفجير يرى أنه وقع بعد أن أعلنت القوات العراقية استعادتها السيطرة على مدينة الفلوجة التي ادعت الحكومة أن التفجيرات في بغداد تأتي منها، ورغم إعلان تنظيم الدولة (داعش) مسؤوليته عن الحادث إلا أن أهالي الكرادة وكثير من الإعلاميين والناشطين، بل حتى محافظ بغداد علي التميمي، طالبوا بتحقيق دولي محايد في التفجير، بل وطالبوا بحضور لجنة دولية متخصصة لفحص عشرات الجثث المتفحمة لمعرفة ملابسات الانفجار.
    فهناك أسئلة كثيرة تدور حول نوعية التفجير والمواد المستخدمة فيه وكيفية دخول السيارة المفخخة إلى المنطقة على الرغم من حصول تفجيرات سابقة في المنطقة. فما أثار استغراب محللي وخبراء المواد المتفجرة أن مكان الانفجار، على الرغم من سماع دويّه على مسافات بعيدة في بغداد، لم يترك أي أثر على أرضية الشارع، على خلاف عشرات التفجيرات السابقة. وهناك أيضًا العبوات الناسفة أو السيارة المحملة بهذه المواد التي مرت عبر نقاط التفتيش دون أن يتم كشفها أو تحصل على إذن المرور من الرقابة أو الشرطة في الموقع؟

    امتصاص الغضب
    وفي محاولة من رئيس الوزراء حيدر العبادي لامتصاص غضب الناس وبخاصة بعد أن قام أهالي الكرادة وعوائل الضحايا برشق موكبه بالأحذية والحجارة أعلن الحداد ثلاثة أيام وقام باتخاذ بعض الإجراءات منها:
    أولًا: تمت إقالة عدد من كبار المسؤولين الأمنيين والاستخباراتيين بعد أن أصدر حيدر العبادي، يوم 8 تموز/يوليو، أوامر بإعفاء ضباط وقادة أمنيين كبار من مناصبهم، منهم قائد عمليات الجيش ببغداد عبد الأمير الشمري، كما تم الإعلان بأنه سيتم إعفاء ضباط وقادة أمنيين آخرين لاحتواء الغضب الشعبي العارم ضد سياسات الحكومة الأمنية، التي فشلت في ضبط أمن العاصمة والمحافظات الأخرى. كما وافق العبادي على استقالة وزير الداخلية محمد الغبان من منصبه، على خلفية تفجير الكرادة وسط بغداد.
    ثانيًا: أصدر العبادي أيضًا مجموعة من التوجيهات في سبيل تعزيز الأمن في بغداد والمحافظات من بينها سحب أجهزة كشف المتفجرات (إيه دي إي 651) لدى الأجهزة الأمنية واعادة تنظيم الحواجز الأمنية وتزويد مداخل العاصمة والمحافظة بأنظمة "رابيسكان" المستخدمة في المطارات لفحص السيارات. كما أعلن العبادي فتح تحقيق في قضايا الفساد المتعلقة بأجهزة كشف المتفجرات المحمولة يدويًا من الحواجز، والتي كشفت تحقيقات صحفية أنها فاسدة ولا تصلح أصلًا لكشف المتفجرات، علمًا أن الشرطة استمرت في استخدامها رغم الفضيحة المتعلقة بصفقة شرائها في عهد سلفه نوري المالكي عام 2007. وقد كشف التحقيق أن هذه المعدات المحمولة باليد ليست كاشفة للعبوات الناسفة، بل تستخدم لتحديد مواقع كرات الغولف المفقودة.

    أسباب التفجير
    إن أغلب التفجيرات التي تقع في مناطق بغداد تدخل كلها في إطار الصراع السياسي على الحكم والنفوذ، وهذا الأمر بات معلومًا إلى درجة أن زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر كان عنيفًا في رده على هذه التفجيرات بالقول أنها "لن تنتهي" ما دام هناك من أسماهم بالوزراء الفاسدين المنتفعين من هذه التفجيرات متشبثين بمناصبهم، موضحًا أن حكومة بغداد اختصرت عملها في الاستسلام للتفجيرات وغسل الدماء. ودعا الصدر الشعب العراقي إلى الانتفاض لأجل فرض معادلة سياسية وأمنية جديدة عبر المطالبة باستقالة المفسدين بجميع مراتبهم.
    وتناغم معه حيدر العبادي ظاهريًا بأن شدد على ضرورة القضاء على الفساد في وزارة الداخلية، مطالباً خلال اجتماعه بمسؤولين أمنيين بعد تفجيرات الكرادة، الوزارة بـ"تكثيف جهودها للكشف عن المجرمين والقضاء على الخلايا الإرهابية النائمة، واتخاذ إجراءات السلامة والأمان في الأسواق والمباني". ورأى أن "اعتداء الكرادة جاء كردة فعل على الانتصار الذي تحقق في مدينة الفلوجة"، لافتًا إلى "وجود بعض المتاجرين بدماء العراقيين من أجل تحقيق مصالح سياسية".
    وكرد فعل على ما حدث تظاهر المئات من المواطنين العراقيين في ساحة التحرير وسط بغداد يوم الجمعة 8 تموز/يوليو للمطالبة بإجراء الإصلاحات التي رفعوا شعاراتها في السابق مع محاربة الفساد وتحسين الملف الأمني في البلاد. وذكرت وسائل الإعلام المحلية أن المتظاهرين رفعوا الأعلام العراقية وتوجهوا عبر شارع السعدون إلى منطقة الكرادة داخل وسط العاصمة، لكن القوات الأمنية قطعت الطرق المؤدية إلى ساحة التحرير وسط بغداد.

    أهداف التفجير
    رغم ادعاء العبادي بالقول "لقد هزمناهم في الفلوجة فجاؤوا ينتقموا منا في بغداد" لكنه هو أول من يعلم أن ما حدث في الكرادة لا علاقة له بما يسمى تنظيم داعش الذي هو في حقيقته يجري استغلاله على أيدي المخابرات الدولية والإقليمية لتحقق به أغراضها. فالمرجح ان الذي يقف وراء هذا التفجير الأخير هو بالأساس رئيس الورزاء الأسبق نوري المالكي مع قادة من الحشد الشيعي وبالتآمر مع حيدر العبادي نفسه. وما حدث في الكرادة فإنه يخدم مصلحة الولايات المتحدة الأميركية في تمرير بعض الأهداف القريبة والبعيدة. وهذا بعض ما تكشف من أهداف تخدم في مجملها تركيز الفصل المذهبي وتقسيم البلاد وبقاءها رهنًا لارادة الكفار الذين يعملون جاهدين على محاربة الأمة الإسلامية:

    أولًا: تنفيذ اعدامات بالجملة
    بعد يوم واحد على تفجير الكرادة أمر رئيس الوزراء حيدر العبادي، بتنفيذ فوري لجميع أحكام الإعدام الصادرة بحق معتقلين في السجون، بزعم أن ذلك رد على تفجير حي الكرادة وسط بغداد. وقد استغل "ائتلاف دولة القانون"، الذي يتزعمه رئيس الوزراء السابق، نوري المالكي، تفجير الكرادة، للمطالبة بتنفيذ أحكام الإعدام بحق معتقلين في السجون. كما دعت النائبة عن الائتلاف، عواطف نعمة إلى محاسبة الرئيس فؤاد معصوم، لعدم استخدامه صلاحياته، للمصادقة على أحكام الإعدام التي صدرت بحق القتلة، على حد وصفها. أما المنظمات الشيعية العسكرية فقد توعدت بالذهاب إلى السجون وتنفيذ حكم الإعدام بنفسها.

    ثانيًا: قتل طائفي وتوظيف سياسي
    بمجرد وقوع التفجيرات قامت مليشيات الحشد الشيعي وأحزاب منها حزبي الدعوة والفضيلة ومنظمة بدر بحشد الشارع طائفيًا وتصويره على أن "الاعتداء سني استهدف الشيعة"، مع أن ضحايا هذه التفجيرات من كل الطوائف. وهكذا شهدت بغداد ومحافظات عدة عمليات انتقامية تمثّلت بقتل نازحين، وخطف مواطنين من بغداد، وديالى، وبابل، والبصرة، وواسط، والأنبار، وصلاح الدين، بل وحتى تفجير جوامع. بالإضافة إلى ذلك أطلق قادة حزب الله العراق، والعصائب، وأبو الفضل العباس، وبدر، تصريحات توعدوا بما وصفوه "أخذ الثأر للضحايا قريبًا". وهكذا استغلت المليشيات والمنظمات الطائفية تفجير الكرادة لتشفي عطشها للدماء من خلال قتل طائفي يومي لمساكين لا ذنب لهم سوى أنهم ليسوا شيعة، فيما قامت الأحزاب السياسية بتوظيف التفجير من أجل كسب أصوات الشيعة بالانتخابات والتأييد لإسقاط خصومها داخل التحالف الوطني.

    ثالثًا: سحب الملف الأمني من الحكومة
    بعد أن وافق العبادي على تنفيذ أحكام الإعدام في عدد كبير من المعتقلين، طالبه قادة مليشيات الحشد الشيعي والتحالف الوطني بأن يسلمهم الملف الأمني في عدد من مناطق بغداد. وإذا ما استلم قادة الحشد الشيعي ملف أمن بغداد فمن المرجح أن تتبعه عمليات انتقامية ضد المكون السني في عملية تطهير طائفي لا تخدم إلا المشروع الأميركي على المدى المتوسط والبعيد. والمتوقع أن تعود عمليات الدهم والاعتقال على الهوية، وبخاصة بعد أن توعد قائد مليشيا بدر، هادي العامري، بـ"ملاحقة حواضن الإرهاب في العاصمة بغداد ممن يهددّون الأمن الوطني، وبحرب مشابهة لمعارك التحرير من داعش".
    وبالفعل عقد حيدر العبادي يوم 4 تموز/يوليو اجتماعًا مع زعماء التحالف الوطني وقادة الحشد الشيعي، لبحث تداعيات ما حصل في الكرادة. وفي هذا الاجتماع حمل المجتمعون العبادي "مسؤولية الانتكاسة، باعتباره القائد العام للقوات المسلّحة"، وقد أجمع الحضور على عدم إمكانية بقاء الملف الأمني في بغداد على حاله، وأنه يجب اتخاذ تغييرات عاجلة على مستوى تقسيم المهام وعلى صعيد القيادة. وفي هذا الإجتماع طرح قادة الحشد الشيعي تسلّم الملف الأمني في عدد من مناطق بغداد، ومنها الكرادة، مع توفير الإمكانات اللازمة لهم للقيام بذلك. وقد أيد قادة التحالف الوطني برئاسة نوري المالكي هذا الاقتراح دون أن يستطيع العبادي أن يرفض ذلك، بعد أن أكد قادة الحشد الشيعي أنهم سيعدون خطّة ودراسة ميدانيّة لهذا الطرح، وسيعرضونها قريباً على قادة التحالف وعلى رئيس الحكومة؛ ليبدأ التطبيق الفعلي بانتقال ملف عدد من مناطق العاصمة إلى المليشيات.

     

    رابعًا: تواجد حلف الناتو في العراق
    في إطار تدعيم أجندته الدولية في القيام بالعمليات العسكرية خارج إطار أوروبا، أعلن حلف شمال الأطلسي أنه سوف يقوم بتدريب القوات العراقية حتى تستطيع مجابهة تنظيم الدولة. وقد استغل حلف الناتو حادثة الكرادة ليعلن ينس ستولتينبرغ السكرتير العام لحلف شمال الأطلسي أن الناتو يعمل على دعم الهيئات الأمنية المختصة المحلية في تونس من خلال مركز استخباراتي مقام في هذا البلد، مضيفًا إلى ذلك في المؤتمر الصحفي الذي عقده بعد دورة العمل الأخيرة لقمة الناتو في وارسو يوم السبت 9 تموز/يوليو، "اليوم سنبدأ بتدريب القوات العراقية المحلية ضمن إطار الحرب على داعش، وسنواصل تدريبها في الأردن، وسنرسل فريقًا إلى بغداد لتحقيق الأمن والدعم والتخطيط الاستراتيجي"، مشيرًا إلى عرض ألبانيا تقديم المساهمة في تدريب القوات العراقية. ولم ينس الأمين العام لحلف شمال الأطلسي أن يعلن أيضًا: "سنطلق عملية أمنية جديدة باسم الحرس البحري، في إطار مكافحة الإرهاب، وزيادة القدرات في البحر الأبيض المتوسط"، دون تحديد موعد إطلاق العملية.

    خامسًا: استبعاد الاستحقاقات السياسية
    عندما تم الإعلان عن معركة الفلوجة كان واضحًا بأنها أحد الوسائل في الهروب من الاستحقاقات السياسية التي كانت يسير فيها العراق بعد أن أعلن العبادي عن سعيه لإيجاد "حكومة تكنوقراط" ومحاربة الفساد والقيام باصلاحات. لكن ما حصل بعد ذلك من ضغط شعبي تحت راية مقتدى الصدر جعل التحالف الوطني وبخاصة من حزب الدعوة برئاسة نوري المالكي يكشرون عن أنيابهم، ويسعون بكل قوة من أجل منع تشكيل هذه الحكومة الجديدة. وكان واضحًا أن أميركا قد مالت مرة أخرى إلى شق نوري المالكي والراعي الإقليمي له في إيران خوفًا من غلبة التيار الوطني الذي يتزعمه مقتدى الصدر على التيار الطائفي الذي يقوده نوري المالكي، وبخاصة بعد تلك المظاهرات الكبيرة التي تزعمها التيار الصدري والتي أظهرت مدى كره الرأي العام الشيعي نفسه للعملية السياسية القائمة وللسياسة الطائفية التي تسير فيها البلاد منذ الغزو الأميركي للعراق.
    إن غلبة التيار الوطني في نبذ الطائفية ومحاربة الفساد ليس في مصلحة أميركا من الناحية الإستراتيجية رغم أنها كانت تريد انجاح مسألة حكومة التكنوقراط حتى تستطيع السير قدمًا في مشروع تقسيم العراق وانشاء إقليم أو حتى أقاليم سنية. ولذلك يبدو أن أميركا قد غيرت من خطتها تكتيكيًا في إصلاح الأوضاع بالعراق وصرفت نظرها في هذه المرحلة عن مسألة حكومة التكنوقراط ومحاربة الفساد التي نادى بها حيدر العبادي ودعمه مقتدى الصدر في ذلك. فأوعزت إلى إيران ومن ثم توابعها في العراق وعلى رأسهم نوري المالكي وهادي العامري كي تدفع بمعركة الفلوجة للصدارة من أجل صرف الأنظار عن مسألة الإصلاح السياسي التي يطالب بها الشارع العراقي بما في ذلك الشيعة أنفسهم. ومن هنا جاء الإعلان عن معركة الفلوجة على لسان هادي العامري وبحضور قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قبل أن يعلن حيدر العبادي نفسه عن ذلك.

    أميركا رأس الأفعى
    إن مما يجب أن يعلمه المسلمون أن من يقوم بتدمير العراق في بنيته المادية والثقافية وما يحدث فيه من قتل وتهجير وشحن طائفي هو بأمر وتخطيط من أميركا، ولو تم ذلك على يد القوات الحكومية أو مليشيات القتل المدعومة من إيران. فهؤلاء ليسوا سوى بيادق وأذناب لأميركا تنفذ بهم سياساتها العدوانية تجاه الإسلام والمسلمين في العراق وغيره من أجل اعادة تقسيم وصياغة المنطقة جيوسياسيًا بما يكفل لها السيطرة على مقدرات الأمة المادية والقضاء على قوة المسلمين الروحية والثقافية التي كانت سبب وحدتهم وعزهم.

      8
    شوال 1437هـ
    2016/7/13
    م

  • متابعة سياسية الأبعاد الحقيقية لعملية "البنيان المرصوص" في ليبيا 

     بسم الله الرحمن الرحيم

     

    متابعة سياسية
    الأبعاد الحقيقية لعملية "البنيان المرصوص" في ليبيا

     

    قامت القوات الموالية لحكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج في 12 أيار/مايو الماضي، باطلاق حملة عسكرية تحت اسم "البنيان المرصوص"، بغرض تحرير مدينة سرت والمناطق المحيطة بها من تنظيم الدولة "داعش". وقد نجحت هذه الحملة إلى حد الآن في السيطرة على جميع الضواحي الغربية والجنوبية لمدينة سرت الساحلية وأحكمت إغلاق جميع مداخل المدينة، كما سيطرت على ميناء مدينة سرت وعلى بعض النقاط الاستراتيجية على أطراف المدينة، من بينها قاعدة القرضابية الجوية ومحطة كهربائية وعدد من المعسكرات. ولا تزال هذه القوات تخوض حرب شوارع ضد عناصر تنظيم الدولة "داعش" الذين يتحصنون في المنازل ويستخدمون القناصة والسيارات المفخخة والعبوات الناسفة.
    والمتأمل في هذه الحملة العسكرية يلاحظ أنها جاءت لتحقيق جملة من الأهداف المهمة بالنسبة لحكومة الوفاق الوطني المنبثقة من اتفاق الصخيرات في كانون أول/ديسمبر 2015م في المغرب.

    أولا: تثبيت الشرعية العسكرية
    بعد أن نجحت حكومة الوفاق في الدخول إلى طرابلس واستطاعت أن تحوز على عدد من الوزارات التي كانت خاضعة لحكومة الإنقاذ الوطني التابعة للمؤتمر العام برئاسة نوري بوسهمين، وبعد أن حظيت حكومة السراج بدعم اقليمي وغربي غير مسبوق، جاء الدور على هذه الحكومة للحصول على شرعية عسكرية داخل ليبيا. ورغم أن هذه الحكومة قد أعلنت عن تشكيل حرس رئاسي تعمل على تحويله إلى جيش متكامل إلا أن ذلك يبقى محدود الفاعلية والقبول ما لم تخض غمار أعمال عسكرية تثبت بها جدارتها وتحظى بقبول شعبي ودعم داخلي.
    وبالفعل فقد دعا رئيس حكومة الوفاق الوطني فايز السراج بتاريخ 2016/6/14 م إلى دعم قوات حكومته في معركتها لاستعادة مدينة سرت من أيدي تنظيم الدولة الإسلامية، وقال السراج في خطاب متلفز: "نبارك انتصارات أبنائنا في جبهات القتال (...) في معركة تحرير سرت وتطهيرها من تنظيم داعش"، وأضاف أن "ما يحدث من إنجازات على هذه الجبهات يستحق أن يكون أنموذجًا لمشروع وطني لمحاربة الإرهاب"، داعيا الليبيين إلى أن يلتفوا حول هذا "المشروع الوطني لمحاربة تنظيم الدولة".
    لقد جاءت عملية "البنيان المرصوص" لتعطي لحكومة الوفاق الوطني تلك المشروعية العسكرية المزعومة بدعوى "محاربة الإرهاب" الذي تتخذ منه القوى الدولية شماعة لتحقيق مآربها ومقياسًا في ولاء الحكومات المحلية لدول الكفر والخضوع لإرادتها. وتمثل مسألة مقاتلة تنظيم الدولة فرصة سانحة بالنسبة لحكومة الوفاق الوطني لأخذ زمام المبادرة من أمام الفصائل المسلحة بما فيها قوات خليفة حفتر التي "فشلت" في تحجيم التنظيم في ليبيا.

    ثانيًا: دمج الفصائل المسلحة
    وإذا نجحت حكومة الوفاق بهذه الشرعية العسكرية فإنها تكون قد حازت على قبول واعتراف بعض من الفصائل العسكرية المتنازعة سواء في طرابلس أو في طبرق والتي ما زالت ترفض الاعتراف بالحكومة الجديدة التي نصبتها الدول الغربية. وقد استغلت حكومة الوفاق الوطني هذه الحملة ليطلب مجلسها الرئاسي من غرفة العمليات بتشكيل قوة ردع وحماية في المنطقة الغربية بحجة منع أي "تهديد" مزعوم قادم من الشرق سواء من تنظيم " داعش" أو من قوات اللواء خليفة حفتر.
    ورغم أن حكومة الوفاق لا تحظى باعتراف أغلب القوى السياسية والعسكرية إلا أن الدعم الغربي المقدم لها نجح في فرضها كأمر واقع بين الأطراف، وهي تستغل معركتها مع تنظيم داعش لفرض نفسها باعتبارها الحكومة القادرة على "توحيد الليبيين". فقد تشكلت حكومة الوفاق الوطني في ليبيا لتحل ظاهريًا محل الحكومتين المتنافستين في شرق البلاد وغربها واللتين تنازعتا السلطة منذ 2014م. ولكن الحقيقة أن هذه الحكومة جاءت لتأخذ مكان حكومة الإنقاذ في الغرب فقط، أما في الشرق فإن ما يسمى ببرلمان طبرق برئاسة عقيلة صالح وما يسمى بالجيش الوطني بقيادة خليفة حفتر قد أوكلت إليهما مهمة السيطرة على المنطقة الشرقية كمقدمة نحو تقسيم البلاد.
    ولهذا الغرض أوكلت أميركا لكل من مصر والإمارات مهمة احتضان حكام المنطقة الشرقية في الوقت الذي دفعت فيه بتركيا وقطر إلى احتضان الحكام الجدد في المنطقة الغربية؛ أي حكومة الوفاق الوطني. ولهذا السبب سعت حكومة السراج منذ وصولها إلى طرابلس إلى دمج عدد من الفصائل المسلحة الرئيسية في المنطقة الغربية لتجعل منهم جيشًا موحدًا رغم ما تواجهه من مقاومة ظاهرية ومزعومة من القادة العسكريين في شرقي البلاد وعلى رأسهم اللواء خليفة حفتر الذي يرفض الاعتراف بحكومة الوفاق لأسباب تتعلق بمشروع التقسيم في ليبيا وليس لأسباب دستورية كما يتم الترويج لذلك.

    ثالثًا: تبرير التواجد العسكري الغربي
    فقد ذكر تقرير لشبكة "سي أن أن" أن قوات خاصة أميركية تعمل على الأراضي الليبية، بالإضافة إلى قيامها بعمليات جوية إلى جانب قوات غربية أخرى أتت لتعزيز عمليات "البنيان المرصوص" القتالية ضد تنظيم "داعش". وأشار التقرير إلى أن عمليات المراقبة الجوية تنطلق من جزيرة "بانتيليريا" بصقلية جنوب إيطاليا وتمتد على طول السواحل الليبية المقدرة بألفي كيلومتر دون توضيح طبيعة العمليات التي تقوم بها القوات الخاصة المتواجدة على الأرض. كما أشارت صحيفة "لوموند" الفرنسية إلى وجود قوات خاصة من بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا تساعد كثيرًا في التقدم نحو سرت.
    ونشرت صحيفة "تايمز" عن تقديم قوات بريطانية خاصة المساعدة العسكرية لقوات حكومة الوفاق في حربها ضد تنظيم الدولة، هذا بالرغم من نفي الحكومة البريطانية أي وجود عسكري لها على الأرض في ليبيا. ومع ذلك فلم يخف رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون عزمه إرسال سفينة حربية للمساعدة في التصدي لتهريب البشر والأسلحة قبالة السواحل الليبية، باعتبار أن من مصلحة بريطانيا أن تبذل كل ما في وسعها لدعم الحكومة الليبية الوليدة.
    ولإعطاء هذا التواجد العسكري الغربي مصداقية وشرعية وافق مجلس الأمن الدولي بالإجماع يوم 2016/6/14 م على قرار يجيز تفتيش السفن في عرض البحر قبالة سواحل ليبيا بالقوة بحثًا عن أسلحة مهربة. ويسمح القرار الذي طرحته باريس ولندن للدول الأعضاء بالعمل من أجل "ضمان التنفيذ الصارم لحظر الأسلحة المفروض على ليبيا". ومن الواضح أن هذا القرار الذي حمل الرقم 2292 سوف يقوم بتوسيع المهمة المعروفة بـ"عملية صوفيا" لمكافحة تهريب المهاجرين في مياه المتوسط، لتشمل مراقبة حظر الأسلحة على ليبيا بغرض ترسيخ سيطرة حكومة الوفاق الوطني على المنطقة الغربية.

    خاتمة
    بعد أن نجحت حكومة فايز السراج نسبيًا في تجاوز التحديات الأمنية والإقتصادية والدستورية، فهي ما زالت تبذل جهودًا كبيرة في احتواء الفصائل العسكرية بالمنطقة الغربية وبخاصة في مصراتة وطرابلس من خلال شراء الولاءات وتشكيل الحرس الرئاسي والإنغماس في معركة "البنيان المرصوص". ومع كل ذلك فلا تزال أغلب هذه الفصائل ترفض الإعتراف رسميًا بحكومة السراج وتعتبرها "حكومة املاءات غربية" بل ولا تزال على ولائها للمؤتمر الوطني العام برئاسة نوري أبو سهمين وحكومة الإنقاذ برئاسة خليفة الغويل .

      
    رمضان1437هـ25

    2016/6/30 م

توقف التمرير

أحدث المقالات

  • أميركا ومن خلفها الغرب الكافر يشنون حرب إبادة على الإسلام والمسلمين

    بسم الله الرحمن الرحيم أيها المسلمون أنقذوا أنفسكم أميركا ومن خلفها الغرب الكافر يشنون حرب إبادة على الإسلام والمسلمين تُصنف بعضُ الدوائر الغربية منطقة العالم الإسلامي بالمنطقة الرافضة للاندماج، والمقصود بذلك أنها المنطقة الرافضة للحضارة الغربية ومفاهيمها الرأسمالية. ولهذا السبب يشن الغرب الكافر وعلى رأسه أميركا أشرس حملة على الإسلام Read More
  • هل عادت الحرب الباردة بين أمريكا وروسيا ؟

    بسم الله الرحمن الرحيم جواب سؤال حول دور روسيا السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... من الملاحظ كثرة الحديث في الإعلام وفي المجالس عن عودة الحرب الباردة بين روسيا وأميركا وذلك كله بسبب الموقف الروسي من الأزمة السورية والتوافق الأميركي الروسي بشأن الحل السياسي ومؤتمر جنيف. مع العلم أن باقي Read More
  • جواب سؤال - كاميرون يستنجد بأوباما في معركته داخل بريطانيا

    بسم الله الرحمن الرحيم جواب سؤال كاميرون يستنجد بأوباما في معركته داخل بريطانيا جاءت زيارة رئيس الوزراء البريطاني دافيد كاميرون إلى أميركا يوم 2013/5/13 لتثبت مرة أخرى أن بريطانيا ما زالت مجرد دولة تدور في فلك أميركا. وخلال هذه الزيارة لم يكتف كاميرون بالترويج لمشروع "الحكومة الإنتقالية" والحل السياسي في Read More
  • بيان إلى الأمة الإسلامية

    بسم الله الرحمن الرحيم بيان إلى الأمة الإسلامية تتداعى كثير من الدول هذه الأيام وعلى رأسها أميركا وروسيا وبشكل متسارع لعقد المؤتمرات واللقاءات حول مستقبل سوريا، كما وتتركز التحضيرات لعقد مؤتمر جنيف2 بعد سنة من عقد جنيف1، وسيلتقي بعد ذلك أوباما وبوتين في دبلن خلال قمة الثماني وسيكون الموضوع السوري Read More
  • متابعة سياسية حول السياسة الخارجية الأمريكية

    بسم الله الرحمن الرحيم متابعة سياسية جاء الهجوم واقتحام بعض السفارات والقنصليات الأميركية في بعض البلاد العربية والإسلامية وبخاصة في القاهرة وبنغازي وتونس وصنعاء والخرطوم، وإنزال العلم الأميركي، والذي أدى إلى مقتل أربعة دبلوماسيين أحدهم السفير الأميركي في بنغازي ليصب في اتجاه تركيز المصالح الأميركية في المنطقة وبخاصة في ليبيا. Read More
  • قمة الدول الثماني والشرق الأوسط

    قمة الدول الثماني والشرق الأوسط 25/06/2004 بسم الله الرحمن الرحيم أجوبة أسئلة سؤال1: انعقدت قمة الدول الصناعية الثماني (G.8)في الفترة ما بين (9-10) من هذا الشهر، فما هو تأثير انعقاد القمة على "مشروع الشرق الأوسط الكبير" والذي طرح كبند رئيسي فيها، ولماذا امتنعت مصر والسعودية عن الحضور، وما هو تأثير Read More
  • 1
  • تداعيات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي

    بسم الله الرحمن الرحيم متابعة سياسية تداعيات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تمهيد: وصف الواقع إن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لم يكن متوقعًا بهذا الشكل، فقد أخطأ ديفيد كاميرون في حساباته باختيار الاستفتاء كوسيلة للحصول على تنازلات من الاتحاد الأوروبي في القضايا التي أرادها. وكان يتوقع أن يكون مصير Read More
  • أبعاد اسقاط تركيا للطائرة الروسية و ملابسات انضمام الجبل الأسود للحلف الأطلسي

    بسم الله الرحمن الرحيم أجوبة اسئلة السؤال الأول: دعا وزراء خارجية دول حلف شمال الأطلسي يوم 2015/12/2 جمهورية الجبل الأسود للانضمام إلى الحلف؛ لتصبح العضو التاسع والعشرين بالحلف رغم الاعتراضات الروسية. فما هي ملابسات انضمام الجبل الأسود للحلف الأطلسي؟ الجواب: نالت جمهورية الجبل الأسود استقلالها في العام 2006 بعد تفكك Read More
  • هجمات باريس

    بسم الله الرحمن الرحيم دردشات سياسية أولاً: هجمات باريس قبل أن تبدأ التحقيقات الجنائية اتهم الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند تنظيم الدولة الإسلامية بالوقوف وراء سلسلة الهجمات. وقال هولاند إن "ما حصل هو عمل حربي.. ارتكبته داعش ودُبِّر من الخارج بتواطؤ داخلي، على التحقيق إثبات ذلك". ولم يكد فرنسوا هولاند ينتهي Read More
  • جواب سؤال حول الأزمة الأوكرانية

    بسم الله الرحمن الرحيم أجوبة أسئلة حول الأزمة الأوكرانية أولاً: إن الأزمة الأوكرانية الحالية مثل سابقتها الأزمة الجورجية قد كشفت عن حجم الخلافات التي توجد بين أميركا وروسيا فيما يتعلق بتحديد مجال نفوذ هذه الأخيرة. كما كشفت هذه الأزمة عن مدى استعداد روسيا للدفاع عن نفسها بكل الوسائل الممكنة عندما Read More
  • أحداث جورجيا و تداعيات استقالة أولمرت

    أحداث جورجيا و تداعيات استقالة أولمرت بسم الله الرحمن الرحيم 1- أحداث جورجيا : جورجيا إحدى دول القوقاز، وهي تقع ضمن النطاق الحيوي لروسيا، ومنذ مجيء سكاشفيلي للسلطة في جورجيا بما دعي ( بالثورة الوردية ) وهو يعكف على تطوير قدرات الجيش الجورجي ؛ سواءً على صعيد التسليح أو التدريب الذي استقدم له المئات Read More
  • التدهور الأخير الذي تعرضت له العملة الأوروبية - اليورو

    بسم الله الرحمن الرحيم دردشات التدهور الأخير الذي تعرضت له العملة الأوروبية ( اليورو ) : تراجعت قيمة العملة الأوروبية الموحدة "اليورو" لتصل إلى أدنى مستوى لها منذ إصدارها ، وأرجع خبراء أسواق العملات هذا الانخفاض إلى تحويل كميات ضخمة من اليورو إلى الدولار ، وأعربوا عن اعتقادهم بأن البنوك المركزية ليست على استعداد لـدعم Read More
  • 1
  • الدولة العميقة في أميركا تحاصر دونالد ترمب

    بسم الله الرحمن الرحيم متابعة سياسية الدولة العميقة في أميركا تحاصر دونالد ترمب مقدمة يبدو أن الدولة العميقة وأصحاب القرار الفعليين في أميركا يسابقون الزمن قبل استلام دونالد ترمب الرئاسة في البيت الأبيض بتاريخ 20 كانون ثاني/يناير 2017. فمن خلال إدارة باراك أوباما تم اتخاذ عدد من القرارات التنفيذية وتثبيت Read More
  • 1
  • اغتيال السفير الروسي في أنقرة

    بسم الله الرحمن الرحيم متابعة سياسية اغتيال السفير الروسي في أنقرة لا بد قبل الدخول في تحليل الحدث من إيضاح ملاحظات ثلاث: أولاها: إن ما نطرحه من رأي سياسي لا يدور حول من نفذ عملية الاغتيال للسفير الروسي، وهو شاب اندفع لمثل هذا العمل لتجاوبه مع مشاعره الجياشة تجاه ما Read More
  • محاولة الانقلاب في تركيا

    بسم الله الرحمن الرحيم التعليق السياسي محاولة الانقلاب في تركيا تعرضت تركيا ليل 15 تموز/ يوليو، إلى محاولة انقلابية فاشلة استمرت لمدة ساعات معدودة. وكان واضحًا منذ البداية أن هذه الحركة الإنقلابية لم تكن تحظى بدعم من هيئة رئاسة الأركان ولا من قطاعات الجيش بشكل عام. فقد قام قادة الإنقلاب Read More
  • النتائج السياسية والعسكرية لتفجير مدينة سروج

    بسم الله الرحمن الرحيم دردشات سياسية أولاً: النتائج السياسية والعسكرية لتفجير مدينة سروج وأخيراً استجابت تركيا للضغوط الأميركية بالانخراط في المخطط الأميركي القاضي بتقوية شوكة الأكراد في شمال سوريا على حساب بقية الفصائل المقاتلة. ورغم أن أميركا كانت منذ بداية تأسيس التحالف الشيطاني تستعمل شماعة محاربة "تنظيم الدولة" كأحد أهم Read More
  • أجوبة أسئلة حول أسباب وتبعات إلغاء كوريا الشمالية لاتفاق الهدنة

    بسم الله الرحمن الرحيم أجوبة أسئلة حول أسباب وتبعات إلغاء كوريا الشمالية لاتفاق الهدنة أعلنت كوريا الشمالية بتاريخ 13 آذار/مارس 2013م أنها ألغت اتفاقية الهدنة الموقعة مع كوريا الجنوبية عام 1953 والتي أنهت الحرب الكورية لعام 1950. وقد وجهت كوريا الشمالية تحذيراً للولايات المتحدة ولجارتها "الدمية" كوريا الجنوبية كما سمتها، Read More
  • جواب سؤال حول أحداث قرغيزستان الأخيرة

    بسم الله الرحمن الرحيم جواب سؤال حول أحداث قرغيزستان الأخيرة أعلن الجيش في قرغيزستان مؤخراً حالة الطوارئ وحظر التجول في مدينتي أوش وجلال آباد وأجزاء أخرى من البلاد، بدعوى تواصل الاضطرابات وأعمال العنف التي تسببت بمقتل وإصابة المئات بين الأكثرية القرغيزية والأقلية الأوزبكية. وقد اتهمت رئيسة الحكومة المؤقتة روزا أوتونباييفا Read More
  • أجوبة أسئلة- أفغانستان

    بسم الله الرحمن الرحيم أجوبة أسئلة أولاً: ابتداءً فإن الدول العظمى تملك عادة استراتيجيات تعمل على تنفيدها لخدمة مصالحها، وأميركا المتفردة في الموقف الدولي والتي تطمع لجعل هذا القرن قرناً أميركياً، تملك بشكل مؤكد استراتيجيات لن تكف عن العمل على تنفيذها تطال مختلف أرجاء العالم، وهي تحتاج في العادة إلى Read More
  • 1
  • حقيقة الجدل القائم حول مسألة العائدين إلى تونس من بؤر التوتّر

    بسم الله الرحمن الرحيم حقيقة الجدل القائم حول مسألة العائدين إلى تونس من بؤر التوتّر مازالت تداعيات تصريح رئيس الدولة الباجي قايد السبسي مستمرّة الى اليوم، وذلك حين أعلن من العاصمة البلجيكية بروكسال عن استعداد تونس لاستقبال المقاتلين من بؤر التوتّر، خلال زيارة رسمية لها يوم 30 نوفمبرالفارط. وقد أثار Read More
  • دولة الضرائب والمشهد السياسي في تونس

    بسم الله الرّحمن الرّحيم دولة الضرائب والمشهد السياسي في تونس تعاقبت على تونس منذ أحداث 14 جانفي 2011 وإلى الآن سبع حكومات، كانت كلها تفتتح أعمالها بالخطب الرّنانة التي تقدّم فيها الوعود بانفراج الأزمات المتلاحقة التي أرهقت الناس وأدخلتهم في دوامة من الاضطرابات، ودفعت بهم إلى حفرة الفقر المدقع والمصير Read More
  • الفساد وأزمة المياه في تونس

    بسم الله الرحمن الرّحيم الفساد وأزمة المياه في تونس ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ اجتاحت بعض المناطق في تونس موجة تقطّعات على مستوى التزويد Read More
  • متابعة سياسية الأبعاد الحقيقية لعملية "البنيان المرصوص" في ليبيا

    بسم الله الرحمن الرحيم متابعة سياسية الأبعاد الحقيقية لعملية "البنيان المرصوص" في ليبيا قامت القوات الموالية لحكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج في 12 أيار/مايو الماضي، باطلاق حملة عسكرية تحت اسم "البنيان المرصوص"، بغرض تحرير مدينة سرت والمناطق المحيطة بها من تنظيم الدولة "داعش". وقد نجحت هذه الحملة إلى حد Read More
  • الدول الاستعمارية الكافرة تتدخل في السياسات العامة في بلادنا - ولاية تونس

    بسم الله الرحمن الرحيم {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين} ما فتئت الدول الاستعمارية الكافرة تتدخل في السياسات العامة في بلادنا. والذي يحزّ في النفس أن أدوات تدخلها هم سياسيو البلاد الذين وضعوا أنفسهم رهن أسيادهم وأفسحوا لهم كل مجالات التدخل. هؤلاء السياسيون Read More
  • حكومة السراج في ليبيا: تنفيذ الوصاية الدولية والسير نحو التقسيم

    بسم الله الرحمن الرحيم متابعة سياسية (موسعة) للتآمر الغربي على ليبيا حكومة السراج في ليبيا: تنفيذ الوصاية الدولية والسير نحو التقسيم أو المزيد من الفوضى الأمنية والسياسية في حال الصمود والتصدي المقدمة.. رغم كل التهديدات التي وردت على لسان القوات العسكرية الموالية للمؤتمر الوطني بقيادة نوري بوسهمين بأنها مستعدة لخوض Read More
  • 1
  • ارفعوا أيديكم عن مساجد الله

    بسم الله الرحمن الرحيم ارفعوا أيديكم عن مساجد الله لقد بات واضحًا لكل ذي بصر أن وزارة الأوقاف تختطف المساجد وتُوظفها في تثبيت أركان النظام والفصل بين الدين والحياة على حساب دين وهيبة العلماء والأئمة ومنهم خطباء المساجد. ففضلًا عن القوانين التي أصدرتها الحكومات المتعاقبة في البلاد، والتي تتعلق بدور Read More
  • متابعة سياسية لبنان ترشيح الحريري عون للرئاسة

    بسم الله الرحمن الرحيم متابعة سياسية لبنان: ترشيح الحريري عون للرئاسة بعد عامين ونصف من الفراغ الرئاسي الذي عانت منه لبنان، بسبب عدم اكتمال النصاب القانوني واختلاف الكتل النيابية على المرشح الملائم، ومع اقتراب عقد الجلسة البرلمانية المقبلة لانتخاب رئيس في 31 تشرين أول/أكتوبر الجاري، أعلن زعيم "تيار المستقبل" سعد Read More
  • متابعة سياسية الأزمة الروسية الأميركية المفتعلة في سوريا

    بسم الله الرحمن الرحيم متابعة سياسية الأزمة الروسية الأميركية المفتعلة في سوريا تعيش حلب هذه الأيام أكبر عملية قتل وتدمير تتعرض لها في تاريخها الحديث. ويتم تصوير ما يجري بأنه أزمة إنسانية تتعلق بتوصيل المساعدات وأزمة سياسية تتعلق بالهدنة وشروط تنفيذها. والحقيقة أن ما يجري في حلب وبقية المدن السورية Read More
  • متابعات سياسية التطورات الأخيرة في اليمن

    بسم الله الرحمن الرحيم متابعات سياسية التطورات الأخيرة في اليمن أحدثت الزيارة التي قام بها وفد من جماعة أنصار الله إلى العراق يوم 29 آب/أغسطس 2016، "قلقًا كبيرًا" لدى الحكومة اليمنية المتواجدة في الرياض، والتي طالبت حكام بغداد بتوضيح عاجل لموقفهم "الغامض". أما الناطق الرسمي، لجماعة الحوثي، محمد عبد السلام، Read More
  • الهجمة على الإسلام والتعديلات الأخيرة على مناهج التعليم في الأردن

    بسم الله الرحمن الرحيم الهجمة على الإسلام والتعديلات الأخيرة على مناهج التعليم في الأردن لقد أسفرت الدولة في الأردن عن حقيقة موقفها من الحرب المعلنة على الإسلام، واختارت الانحياز إلى أعداء الأمة في الهجمة الشرسة على الإسلام، ضاربة عرض الحائط مبدأ الأمة وعقيدتها وهويتها. حيث قامت بإجراء تعديلات على المناهج Read More
  • تفجير الكرادة في بغداد

    بسم الله الرحمن الرحيم متابعات سياسية تفجير الكرادة في بغداد حيثيات التفجير في فجر يوم 2016/7/3 وقعت تفجيرات كبيرة في حي الكرادة ببغداد أودت بحياة أكثر من 300 شخص وجرح أكثر من 250 آخرين. وقد كان واضحًا أن من قام بهذه العملية أراد استهداف أكبر عدد ممكن من الناس؛ لأن Read More
  • 1

أحدث الثقافة

  • أجوبة عن التواتر والمقلد المتبع

    بسم الله الرحمن الرحيم أجوبة أسئلة السؤال: كيف نقول أن الحديث المتواتر هو المروي عن 5 فما فوق ويستحيل تواطؤهم على الكذب في حين أن هناك اختلاف في المحدد الكافي للمتواتر بين العلماء فهناك من يقول 3 وهناك من يقول 4 وهذا أمر غير متفق عليه يعني هو غير متواتر Read More
  • أجوبة أسئلة عن المتبع في نظام الإسلام

    بسم الله الرحمن الرحيم أجوبة أسئلة السؤال: ورد في الصفحة 58 من كتاب النظام المعتمد "فالمتبع هو الذي لم يكن محصلا لبعض العلوم الشرعية"في حين ان هذه صفة العامي وليست صفة المتبع الذي يلزمه تحصيل بعض العلوم الشرعية؟!! الجواب: جاء في كتاب الشخصية الجزء الأول (وعلى ذلك فالمقلد غير المجتهد، Read More
  • التدرُّج في تطبيق الشريعة وموقف الإسلام منه - نص محاضرة ألقيت في الأردن

    بسم الله الرحمن الرحيم التدرُّج في تطبيق الشريعة وموقف الإسلام منه قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ Read More
  • 1
  • 2
  • الرؤية الشرعية للهلال والحسابات الفلكية

    بسم الله الرحمن الرحيم الرؤية الشرعية للهلال والحسابات الفلكية سؤال : بالنسبة لثبوت الرؤية الشرعية للهلال ، هل يجوز اعتبار المعطيات العلمية مبطلة أو معززة لشهادة من يثبت برؤيته حلول شهر رمضان ؟ كأن يأتي مسلم ويقول بأنه شاهد الهلال في جهة من الفضاء في حين أن المعطيات الفلكية تنفي إمكانية ظهور الهلال Read More
  • لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق- الصيام

    بسم الله الرحمن الرحيم لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق عين الله سبحانه وتعالى يوم الصوم ويوم العيد تعيينا واضحا ، وجاءت النصوص الشرعية صريحة في هذا الشأن ، قال صلى الله عليه وسلم : ( الشهر تسع وعشرون ، فإذا رأيتم الهلال فصوموا ، وإذا رأيتموه فأفطروا ، فإن غم عليكم فاقدروا له ) ، وقال عليه السلام Read More
  • الفرق بين البلاغة والإعجاز في القرآن

    بسم الله الرحمن الرحيم الفرق بين البلاغة والإعجاز في القرآن جواب سؤال س1 : جاء في مقدمة الدستور ما نصّه : (( فيكون الإعجاز إنما هو باللفظ العربي المعبِّر عن المعنى بالأسلوب العربي ، أي أن قوله تعالى : { وإما تخافنَّ من قومٍ خيانةً فانبِذ إليهم على سَواءٍ } معجزة للناس أن يأتوا بمثلها ، وإعجازها آتٍ Read More
  • 1
  • سحب روسيا لقواتها الرئيسية , تفجيرات تركيا , الخطة "ب" لسوريا , تنامي داعش بشمال إفريقيا , سياسة أمريكا للقيادة من الخلف , أبعاد زيارة أوغلو إلى إيران

    بسم الله الرحمن الرحيم أجوبة أسئلة السؤال الاول: ما هي أبعاد وتداعيات سحب روسيا لقواتها الرئيسية من سوريا؟ الجواب: جاء الانسحاب الروسي متزامناً مع استئناف المحادثات المنعقدة حالياً في جنيف، حيث لم يخفِ بوتين أن انسحاب قواته سيدعم المفاوضات إيجابياً بين المعارضة والنظام السوري. والمفاوضات التي يُتوقع أن تتمخض عن Read More
  • أجوبة أسئلة

    بسم الله الرحمن الرحيم أجوبة أسئلة 1ـ تجدر العناية ببحث القضايا على صعيدها الأصلي عند الربط السياسي بمعرفة الأساس الذي انطلقت منه الأحداث ، والجهة التي تسير إليها. ولا يصح إسقاط الأحداث و القضايا على بعضها البعض دون وجود رابط بينها ، أو لمجرد الاشتباه بوجود رابط ، ولأجل سلامة الفهم السياسي لابد Read More
  • نداء إلى المسلمين من حزب التحرير

    بسم الله الرحمن للرحيم نداء إلى المسلمين من حزب التحرير العيد - أيها المسلمون - شعيرة من شعائر الله ، والإسلام يوجِب عليكم تعظيم هذا اليوم المبارك،والتقرب فيه إلى الله سبحانه وتعالى ، قال تعالى : { ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب }،وإذا كان رمضان فرصة تقربتم فيها إلى الله بالصلاة والصيام Read More
  • 1
  • 2